«تشونغوي» و «لانغوا».. منازل تعكس ملامح أفريقيا الغامضة

إذا أردت أن تستلهم بعضا من ملامح أفريقيا الغامضة، القوية، الجامحة فستجدها بكل روعتها متجسدة في جنوب زامبيا وعلى ضفاف نهر زامبيزى، حيث يقع منزلان متجاوران صمما بخامات طبيعية بدائية.

أطلق على البيت الأول اسم «تشونغوي»، والثاني «لانغوا» لأنه يطل على حديقة «لانغوا» الوطنية رائعة الجمال. في الحقيقة هما ليسا منزلين بالمعنى التقليدي للكلمة، وإنما صمما ليكونا جزءا من الطبيعة نفسها حتى إنه تم الاستغناء عن الحواجز والحوائط في غالبية الغرف قدر الإمكان ليندمج داخل المنزل مع خارجه فلا يحيط به سوى الأشجار والطبيعة، كما أن خطوط الحوائط والمباني غير مستقيمة وإنما تركت على طبيعتها دون أي محاولة لاستعجال القوائم أو الأعمدة أو حتى الأسقف المبنية بالخوص والجريد وجذوع الأشجار. إنه أسلوب العمارة البيئية التي تتكيف وتندمج مع الملامح المحيطة بها تماما ولا تحاول تجميلها أو تغييرها.

«روبن بوبيه» مرشد السفاري المخضرم هو صاحب المنزلين ويقوم بإدارتهما مع زوجته «جو»، وقد كانت البداية باختيار أحد الأشخاص غير التقليديين لبناء البيتين، حيث عهد بهذه المهمة إلى «نيل روشيه – Neil Rocher»، المرشد تنزاني الأصل الذي لم يدرس العمارة من قبل لكن لديه خبرة كبيرة في المناطق الطبيعية البكر وطريقة اكتشاف مواردها الخاصة، بالإضافة إلى أنه يتمتع بخيال خصب غير تقليدي وغير ملوث بأي أفكار منقولة أو مكررة.

ويقول «روشيه» عن «تشونغوي»، المنزل الأول: «أردت أن تنعكس روح أفريقيا على ملامح المنزل فيعبر عن أسلوب حياتنا التلقائية المتحررة من جميع القيود، لذلك اخترت تصميما يفاجئ من يدخله فيشعر وكأنه يعيش قصة خرافية مليئة بالمغامرة والغموض».

فقد تم تشكيل هيكل المنزل بتجميع أخشاب وجذوع الأشجار الغارقة والقديمة مع صب بعض الجدران من الخرسانة لكن دون تشكيلها بأي نوع من القوالب، بل تركت لتتبع شكل الأفرع الطبيعية.

كما استخدم الحصى الملون الذي تم الحصول عليه من النهر لتزيين الأسقف، بينما تم نحت أثاث غرفة المعيشة الرئيسية بالكامل من جذع ضخم لشجرة واحدة عجوز سقطت في أحد فصول الشتاء، مما أكسبها بعدا سرياليا فنيا.

وكانت أكبر المشاكل التي واجهتهم أن المكان اندمج وسط الطبيعة المحيطة به تماما فبدأ مألوفا لساكنيها الأصليين من الفيلة الأفريقية التي تشتهر بها المنطقة والتي تواجدت في موقع المنزل بشكل مستمر مما اضطرهم إلى تأخير العمل حتى تنتقل.

الجزء الرئيسي من المنزل يحتوي على جلسة المعيشة وتجاورها طاولة طعام تتسع لثمانية أفراد، وهي مفتوحة بالكامل على منطقة حمام السباحة الذي يطل على النهر مباشرة.

كما يضم المنزل أربع غرف رئيسية للنوم، تتمتع كل منها بسحرها الخاص، اثنتان في الطابق السفلي ويتم الدخول إليهما عن طريق ممرات تشبه الإنفاق، بالإضافة إلى اثنتين في الطابق العلوي، الذي توجد به حمامات تتميز بأن جميع محتوياتها كالحوض والبانيو محفورة يدويا في الخشب أو الحجر، ويتم إمدادها بالمياه على هيئة شلالات، كما أن جميع الغرف مفتوحة على المنظر الطبيعي وتطل على نوافذ كبيرة شبيهة بالكهوف مسدل عليها ستائر بسيطة من الكتان.

وعلى بعد 90 دقيقة يقع «لانغوا»، المنزل الثاني الذي لا يقل تفردا، والذي يؤكد «روشيه» أنه قد وجد صعوبة أكبر في تصميمه، ويقول: «المنطقة المحيطة بالمنزل ذات طبيعة وأجواء قاسية جدًا معظم العام، لذلك كان عليه أن يكون كبيرا في الحجم وأن تكون ملامحه قوية لتعبر عما حوله، وأن أضفت التفافات وانحناءات جذوع الأشجار لمسات من النعومة والتلقائية على المبنى ليندمج في قلب المشهد المهيب للغابات والنهر».

ولأهمية تلك العوارض الخشبية في تشكيل هيكل المنزل، فقد اضطر لنقل 25 جذع شجرة عملاقة لمسافة تزيد على 25 ميلا ليتم تقطيعها يدويا، وهو ما اعتبر أصعب مراحل التنفيذ خاصة وأن هذه الأشجار تعتبر من أصلب الأنواع، وقد تحتاج إلى يوم كامل لتقطيع كل لوح منها.

«لانغما» يضم أربع غرف نوم موزعة على جانبي غرفة المعيشة مزدوجة الارتفاع والتي تحتوي على طاولة طعام كبيرة بالإضافة إلى سلمين متواجهين يمتد كل منهما على جانب ويؤديان إلى الدور العلوي، وقد تم كسوة الدرجات بعوارض من خشب الأشجار السميك.

تلك الغرفة الرئيسية تطل على البحيرة ويجاورها مغطس يشبه حمام سباحة صغيرا بالإضافة إلى ممر خشبي يصل إلى عمق البحيرة ليتيح متابعة قطعان الفيلة التي تأتي إلى الاستحمام في المياه كل موسم عن قرب.

ورغم أن هذين المنزلين يتم تأجيرهما لرحالة السفاري، إلا أن صاحبهما يصر على أن يتمتعا بكل مزايا الخصوصية والانفراد كأي منزل شخصي، فليس من المحتمل أن تلتقي بأي سائحين آخرين في المنطقة المحيطة، وهذا ما تضمنه طريقة التأجير والحجز.

ولم يتم إدخال أي لمسات أو تجهيزات تحول أَيًّا منهما إلى فندق حتى لا يفقد المكان تلقائيته وطبيعتيه، لذلك فهما من الأماكن المثالية التي يجتمع بها في الكثير من الأحيان ثلاثة أجيال من عائلة واحدة أو حتى مجموعة من الأصدقاء الذين يجتمعون من أنحاء متفرقة من العالم للاستمتاع بالجمال الأفريقي الملهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: