الرياض «مدينتي» ما غيَّرها؟

من غادر الرياض قبل خمسة أعوام من الآن أو أقل ثم عاد في أيامنا هذه، لن يرى فرقا شاسعا على الصعيد العمراني، ولن يلحظ سوى تغيرات طفيفة فيما يتعلق بهموم ومطالب الشعب، فما زالت البطالة موجودة، وما زالت المعلمات يعانين بند الأجور، وما زال الكل يشكو غلاء المعيشة وعدم كفاية الراتب لمتطلبات الحياة غير الضرورية والضرورية أيضا.

لكنه حتما سيلحظ فرقا هائلا في سكان الرياض أنفسهم، فهذه المدينة التي من طبعها التغير السريع – المسمى طفرة – تغيرت هذه المرة كما لم تتغير من قبل، فكثير من المحظورات أصبحت مشاعة وغير مستهجنة. لم نعد نسمع عن حرمة السفر للخارج، والجامعات التي كانت تمنع العباءة على الكتف أصبحنا نرى أستاذاتها أول من يرتدينها، وحتى من امتنع عن إدخال الفضائيات لمنزله ها هو اليوم يشاهدها مع أبنائه وأحفاده أيضا.

الفن كذلك لم يعد يقتصر على حصة الفنية في المدرسة وينسى بعدها، إذ أصبحنا نسمع من يتحدث عن «ياني» وسيمفونيات موتزارت، وهناك من يناقش لوحات فان جوخ و«كلود مونيه»، كما أن سماع فيروز أصبح طقسا صباحيا شائعا.

وما ذكرته نماذج فقط، فالتغيير مس مصطلحات كثيرة وقناعات أكثر، إن صح لنا أن نسميها قناعات أصلا فإن يتغير الإنسان ويقفز من ضفة لأخرى بسرعة ودون موازنة أو تفكير مسبق يعني أنه لم يكن مقتنعا تماما بما يقول أو يفعل، وإنما كان موكلا أمره إلى من يثق به، فحين تصدر فتوى جديدة تجب ما قبلها في أذهان الناس بشكل تلقائي دون أن يكلف الفرد نفسه بالتفكير.. ما دام المفتي هو من سيحاسب بدلا منه، غير مدرك أنه هو الآخر محاسب على جهله الاختياري، تماما كما سيحاسب العالم على علمه.

لا تعنيني مسببات التغير المساندة – بنظري – الابتعاث مثلا أو الثقة العمياء بالمفتين. ولا سبب التغير الأساس: الإعلام الموجه أو المسيس. ولا يعنيني كون التغير من اليمين إلى الشمال أم هو من الشمال إلى اليمين. كما لا أعترض على التغيير فاعتراضي قد يكون إذن اعتراضا على سنة كونية لا تقبل أي نقاش، لكن التغيير مشروط بمدة وقتية، وتجاوزها لا شك في أنه يخلف أضرارا على أي مجتمع. والانفتاح محمود لكن الانتقال من تطرف إلى تطرف يشبه الهروب من السيل إلى البحر. ومن غير المعقول بتاتا أن يتم طرد فكر غير سليم من ناحية وحقن فكر غير سليم من الناحية الأخرى.

الوسطية جميلة، والتغير الذي باغت الرياض فجأة مخيف. ولا يبشر بخير أبدا. أما التشتت في مقالتي هذه، فهو لا يختلف كثيرا عن حالة الشتات الفكري التي يعيشها شبابنا اليوم!.

استئناف:

أحببت أن أوضح أني لا أميل إلى الرأي القائل إن العباءة على الكتف حرام.. أو السفر للخارج حرام.. ولا أعني بحديثي أعلاه أننا كنا من قبل أفضل. ولست ضد الفن، بالعكس جميل أن نصبح مجتمعا يقدر الفن ويتذوقه.

ولا أقول ان يستفتي المسلم قلبه «دون» أن يستفتي عالما يثق بعلمه، ولكن كل ما في الأمر أنني أحببت أن أبين أن ما يحدث من تغيير ليس ناتجا من قناعات الناس أنفسهم، بل أصبح حتميا لظروف وضعنا بها – ولا تخفى على من يرى – حتى وإن كان « بعض التغيير صادرا من تغير رؤى الناس وقناعاتهم لتأثرهم بما يحدث في العالم دون ما يحدث هنا، فإن جله «لا يكون إلا تسييرا – لظروف حدثت «هنا» وأصبح المخرج منها القفز للضفة الأخرى».

بقلم: آلاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى