التحولات الكبرى في التاريخ تصنعها منعطفات صغيرة

في مركز الدائرة المتهالكة، وقف رجل يحاول طمس أمسه غير السعيد مطلقا. فكر أنه كان أحد من رسموا هذه الدائرة وحرسوها لسنوات طويلة، كتب جزءا من قصيدة للويس أراجون:

«أنتظرك تائها في طرف شارع/ أو طرف الغسق المذهب/ قد لا تعود ذات مرة/ ذات مرة عمدا لتنزهك في إحدى ضيعاتك الغريبة/ وجب عليك أن تتخيليني ميتا حتى لا آتي وأزعجك تحت شمس كأنها الكارثة».

فكر أن كونه تائها في وسط الشارع لا يلغي معرفته بما يريد، كأن يتخيله محبوه ميتا بأقل قدر من الخسائر، أو أن يتذكروه حتى لو لم يعد أبدا. أعاد كتابة قصيدة منسية للعاصي بن فهيد: «وميض أزمنة أخرى أنت/ وهذا الطريق الذي تحشد له عطشك/ فدع الصمت يدبر خطته/ تغشى روحك ولا تسمي مرادك/ تنكر خلف البرق/ وميض أزمنة أخرى أنت/ وهذا الطريق الذي تحشد له عطشك».

إنه الحزن تماما، إذ لم يكن سعيدا ولا محايدا. لمرات كثيرة انفطر قلبه لأن أغنية محرمة راودته فاستعصم، ولمرات أكثر سوادا تصدعت روحه لرؤية وجه كان لا يستطيع أن يرسمه في دوائره المحرمة!

كان مزدحما، كتب أيضا ما نقشه العاصي مرة على ورقة توت: «في الزحام/ ربما تصطدم في الزحام…/ فحذار أن تجرح قلب الإنسان/ الذي يئن تحت وطأة الوحدة في الزحام/ فلولا ما شع على هذا القبر عشب/ ولا نطق الحجر الصوان/ ولكن ما جدوى الدموع/ ما جدوى الدموع/ في هذا الزحام».

في هامشه الأخير خمن أن العاصي كتب هذه القصيدة لأحد أصدقائه، خمن أنه يعيش في منفى يشبه دائرة باهتة ويقف في مركزها، وخمن، أيضا، أن عبارة واحدة تشد الجميع إلى المركز، العبارة التي تركها كارل ماركس خلفه ليساعد كثيرين على كسر دوائر الوهم: «التحولات الكبرى في التاريخ تصنعها منعطفات صغيرة».

بقلم: حامد بن عقيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: