الانقسام المتساوي – نظرة علمية فاحصة على مراحل تطوره.. ومعلومات أخرى

الانقسام المتساوي

حديث اليوم يتمحور حول الانقسام المتساوي؛ فلا شك أن الجميع يتمنى أن يكون لديه نسخة ثانية من نفسه لتقوم بواجباته وتحضر صفوفه بدلاً عنه.

إن ذلك غير ممكن في الواقع لعدة أسباب مقنعة، سنتحدث عنها لاحقاً، ولكن هل تعلمون ما الذي يمكن أن ينسخ نفسه؟ إنها خلايا الجسم، فكل خلايا الجسم قادرة على نسخ ذاتها. وفي الواقع إنها تفعل ذلك في هذه اللحظة.

تعتمد حياة جميع المخلوقات ذات الحجم الأكبر من الكائنات وحيدة الخلية على قدرة خلاياها على التكاثر لأن ذلك يسمح للكائنات الحية بالتطور والنمو والشفاء وتجنب الموت لأطول فترة ممكنة.

يطلق على هذا النوع من الانقسام الخلوي اسم الانقسام المتساوي؛ وهو مسئول عن الكثير من وظائف الجسم الأساسية.

عند الإصابة بالجروح فإن الجسم يحتاج إلى تكوين خلايا جديدة لاستبدال الخلايا التالفة، مما يعني أنه يحتاج إلى الانقسام المتساوي.

وعند نمو ورم في العمود الفقري فإن ذلك أيضا سببه الانقسام المتساوي. كيف ينمو الفرد من رضيع وزنه 7 رطل إلى طفل وزنه 70 رطلاً، لا يتم ذلك من خلال زياد كتلة الخلايا نفسها بل يتم ذلك من خلال تضاعفها مراراً وتكراراً؛ أي من خلال الانقسام المتساوي.

ولهذه العملية أهمية محورية لحياة الفرد، ولهذا ستكرر نفسها حوالي 10 كوادريليون “10,000,000,000,000,000” مرة على مدى الحياة أي 10 آلاف مليار مرة.

يتكون جسم الإنسان من تريليونات الخلايا؛ مثل الحيوانات أو الأشجار، وتذكروا إنه داخل كل خلية توجد نواة تُخزن الحمض النووي dna الذي يحتوي على جميع المعلومات الوراثية المسؤولة عن كافة تفاصيل الجسم.

وهذا الـ DNA يترتب في الكروموسومات، وكما ذكرنا سابقاً؛ تُسمى خلايا الجسم الخلايا الجسدية، ويوجد في كل منها 46 كروموسوم مجمعة في 23 زوج.

وفي الأزواج من الكروموسومات فإن واحد منها يأتي من الأم والآخر من الأب، وتسمى الخلايا التي تحتوي على 46 كروموسوم بخلايا مزدوجة الكروموسومات؛ لأنها تحتوي على أزواج من الكروموسومات وهذا ما سنُركز عليه في هذا الموضوع.

الانقسام المتساوي

يحتوي الجسم كذلك على خلايا أحادية الكروموسومات؛ وهي تحتوي على نصف عدد الكروموسومات؛ أي 23 وهذه الخلايا هي الخلايا الجنسية، ويتم إنتاجها في عملية رائعة تُسمى “الانقسام المُنصف“.

أهم ما عليكم تذكره بشأن الانقسام المتساوي Mitosis هو أنه العملية التي تسمح لخلية واحدة تحتوي على 46 كروموسوم أن تنقسم إلى خليتين متطابقتين جينياً كل منهما تحتوي على 46 كروموسوم لضمان استمرارية الحياة.

تتحكم نواة الخلية بجميع الأنشطة التي تتم في الخلية لأنها تحتوي على جميع المعلومات اللازمة لإبقاء الخلية على قيد الحياة.

ولهذا السبب لا داعي إلى مضاعفة الخلية بأكملها، ويكفي مضاعفة الحمض النووي فقط وتغليفه، فإذا تكون نواتان منفصلتان تحتويان على DNA فهذا كل ما يحتاجه الجسم لتكوين خليتين جديدتين.

مراحل الانقسام المتساوي

يحدث الانقسام المتساوي في سلسلة من المراحل المنفصلة؛ والتي تسمى الطور التمهيدي والطور الاستوائي والطور الانفصالي والطور الانتهائي.

يمكنكم تكرار هذه المصطلحات لتتذكروها، ومن المثير للاهتمام بشأن هذه العملية هو أنه بالرغم من معرفتنا لِخطواتها إلا أن الآلية الرئيسية التي تحرك هذه الخطوات ما زالت غير معروفة بالكامل كما هو الحال في الكثير من العلوم فهناك الكثير من الأسرار التي ما زال العلم يحاول تفسيرها.

ولهذا السبب فإن وظيفة علماء الأحياء لن تزول، فهناك الكثير من الألغاز العلمية التي يجب أن يحُلها علماء الأحياء في المستقبل وهذه واحد منهم.

الطور البيني

تقضي الخلايا معظم حياتها في فترة انتقالية تسمى الطور البيني؛ وهي حالة بين انقسامين متساويين، وفي هذا الطور تقوم الخلية بمعظم الوظائف التي يحتاجها الجسم.

خلال الطور البيني تكون الخيوط الطويلة من الحمض النووي DNA متشابكة مع بعضها، وهذه العقد المتشابك من الـ DNA تسمى الكروماتين ولكن مع بدء عملية الانقسام المتساوي تبدأ الكثير من العمليات بالحدوث في الخلية الخارجية للاستعداد للانقسام.

ومن أهم هذه العمليات هي أن هذه الأسطوانات البروتينية الصغيرة الموجودة بجانب النواة والمُسماة بالجسيمات المركزية تقوم بمضاعفة نفسها. ولأن عملية الانقسام المتساوي تتطلب تحريك الكثير من الأشياء في النواة فستقوم هذه الجسيمات المركزية بتنظيم هذه الحركة.

والخطوة التالية التي تحدث في النواة هي تضاعف DNA حتى يكون لدى الخلية نسختين من DNA.

الطور التمهيدي

تدخل الخلية الآن في المرحلة الأولى من الانقسام المتساوي أو الطور التمهيدي عندما يتركز الكروماتين ويتجمع على نفسه لإنتاج خيوط سميكة من الحمض النووي ملفوفة حول البروتينات.

وهذه هي الكروموسومات، وبدلا من شبكة غير منظمة تبدأ خيوط الـ DNA باتخاذ شكلٍ أكثر تنظيماً، ولا تطفوا نسخ الـ DNA التي يتم تكوينها بحرية في النواة بل تبقى متصلة مع النسخة الأصل، ومعاً يبدو شكلهما كحرف X وتُسمى الكروماتيدات.

وتكون أحد النسخ على الساق والذراع اليسرى من X أما النسخة الأخرى فتكون على الساق والذراع اليمنى.

وينتقل الكروماتيدان معاً في الوسط عند ما يُعرف بالقطع المركزية.

وللعلم تسمى هذه X بالكروموسومات، وفي بعض الأحيان بالكروموسومات المزدوجة أو الكروموسومات ذات الخيوط المزدوجة، وعند انفصال الكروماتيدات تعتبر كروموسومات فردية.

عند تشكل الكروموسومات فإن الغلاف النووي يختلف ويتحلل تماماً، أما الجسيمات المركزية فتبتعد عن النواة ويتجه كل منها إلى أحد طرفي الخلية، وأثناء ذهابها تترك خلفها خيوطاً بروتينية تسمى “الأنيبيبات الدقيقة Microtubule” تمتد من جُسيم مركزي إلى آخر.

وقد ذكرنا في موضوع الخلية الحيوانية؛ أن هذه الأنيبيبات الدقيقة تساعد في توفير نوع من البُنيان للخلية هذا بالضبط ما يفعلونه هنا.

 الطور الاستوائي

هي أطول مرحلة من الانقسام المتساوي، وقد تستغرق حوالي عشرين دقيقة.

خلال الطور الاستوائي ترتبط الكروموسومات في تلك الأنيبيبات الدقيقة في الوسط عند القطع المركزية ثم يتم تحريك الكروموسومات بواسطة جزيئات تُسمى “البروتينات المحركة”.

ربما لا يعرف العلماء الكثير عن كيفية عمل هذه المحركات ولكنهم يعرفون أن هناك اثنين منها على كل جانب من جوانب القطعة المركزية، وتُسمى “بروتين E التابع للقطع المركزية” وتعمل هذه البروتينات المحركة المرتبطة بالأنيبيبات الدقيقة على تسريع عملية سحب الكروماتيدات، وفي نفس الوقت يقوم بروتين آخر يُسمى داينين بتسريع العملية كذلك من خلال سحبها من الجانب الآخر بالقرب من أغشية الخلايا.

بعد أن يتم سحبها في هذين الاتجاهين المتعاكسين تصطفُ الكروموسومات في وسط الخلية.

والثر فليمينغ

كيف تصطف الكروموسومات بهذا الشكل؟

لقد ذكرنا أن البروتينات المحركة لها علاقة بالموضوع، ولكن كيف يفعلون ذلك؟

هل تذكرون ما سردناه سابقاً عن عدم فهمنا للكثير من الأشياء المتعلقة بـ الانقسام المتساوي.

من الغريب أن العلماء لا يعرفون هذه الأمور حيث يمكنهم مشاهدة عملية الانقسام المتساوي بأكملها تحت المجهر.

تُعتبر طريقة اصطفاف الكروموسومات هي من التفاصيل الصغيرة التي تم اكتشافها منذ فترة قصيرة جداً. وقد كان اكتشاف عظيم استغرق 130 سنة من البحوث.

أول من لاحظ الانقسام المتساوي هو عالم أحياء ألماني يُسمى والثر فليمينغ الذي كان في عام 1878 يدرس أنسجة خياشيم وزعانف حيوان السمندل، وعندها رأى أنوية الخلايا تنقسم إلى قسمين وتبتعد عن بعضها لتُشكل خليتين جديدتين.

وسمى هذه العملية بـ الانقسام المتساوي من الكلمة اليونانية التي تعني خيط إشارة الخيوط المتشابكة من الكروماتين الذي رآها في النواة، وهو الذي صاغها بالمصطلح كروماتين.

ولكن فليمينغ لم يُدرك أكثر هذا الاكتشاف على علم الوراثة الذي كان في وقتها علماً حديثاً النشوب.

تومومي كيوميتسو

وعلى مدى القرن التالي بدأ أجيال من العلماء في حل لغز الانقسام المتساوي من خلال تحديد دور الأنيبيبات الدقيقة والبروتينات المحركة.

وأحدث مساهمة تم تقديمها لهذا البحث كانت من قبل طالب دكتوراه يُدعى تومومي كيوميتسو في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

راقب تومومي العملية نفسها التي راقبها فلمينيج واكشف كيف يساعد أحد البروتينات المحركة في التقاط الكروموسومات وتنظيمها في صف واحد.

كان يدرس البروتين المحرك الذي يُسمى داينين الموجود داخل الغشاء.

تصور الأنيبيبات الدقيقة وكأنها في لُعبة شد الحبل والكروموسومات هي الحبل الفاصل في الوسط.

ما اكتشفه كيوميتسو هو أن الداينين يلعب لعبة شد الحبل مع نفسه. يمسك الداينين بأحد أطراف الأنيبيبات الدقيقة ويسحب الأنيبيبات والكروموسومات نحو أحد أطراف الخلية.

وعندما تقترب أطراف الأنيبيبات الدقيقة من غشاء الخلية فإنها تُطلق إشارة كيميائية ترسل الداينين إلى الجانب الآخر من الخلية، فيُمسك حينها بالطرف الآخر من الأنيبيبات الدقيقة، ويبدأ بسحبها إلى أن يتم إرساله مرة أخرى.

كل هذا يضمن أن الكروموسومات ستصطف في الوسط حتى يتم تقسيمها بتساوي.

تم نشر هذا الاكتشاف في فبراير عام 2012، وبعد 134 عام من اكتشاف الانقسام المتساوي إذا كنتم ترغبون في الانضمام إلى صفوف العلماء الذين يكرسون حياتهم للإجابة على العديد من الأسئلة المتعلقة بين بالانقسام المتساوي، والكثير من الأمور التي تخص حياتنا ربما في يوم من الأيام سنعرض سيرة حياتكم.

قد تحدثنا عن الطور البيني حيث تتضاعف كل من الجسيمات المركزية والحمض النووي ويستعدون للانقسام، وبعد ذلك يبدأ الطور التمهيدي والذي تتشكل فيه الكروموسومات وتتباعد القطع المركزية عن بعضها البعض.

أما في الطور الاستوائي فتصطف الكروموسومات في وسط الخلية.

الطور الانفصالي

وهو وقت فصل الكروموسومات عن نسخها، ففي هذه المرحلة تبدأ البروتينات المحركة بسحب الخيوط بقوة مما يؤدي إلى انقسام الكروموسومات ذات الشكل X وتُصبح كروموسومات فردية.

وبمجرد انفصالها عن بعضها يتم سحبها باتجاه أحد أطراف الخلية، وهذه المرحلة تُسمى الطور الانفصالي.

ومن السهل تذكر ما يحدث فيها لأنه واضح من اسمها. وبعد ذلك سيتم استخدام كل تلك المادة الوراثية لإعادة البناء لضمان أن المادة الجينية المنسوخة لديها كل ما تحتاجه.

الطور الانتهائي Telophase

وهي المرحلة الأخيرة؛ حيث يتم  فيها أولاً إعادة بناء التراكيب الجديدة للخليتين؛ حيث يُعاد تشكل الغشاء النووي كما تتشكل النويات في الداخل، وتعود الكروموسومات مرة أخرى إلى كروماتين ثم تتشكل ثنية صغيرة بين الخليتين الجديدتين إشارة لبداية الانقسام النهائي.

يُسمي هذا الانقسام بين الخليتين الجديدتين بـ؛ الانشطار، ولا يبقى سوى انفصال الخليتين بالكامل ويتم ذلك عن طريق عملية تُسمى “انقسام السيتوبلازم” ثم تبعد النواتان عن بعضهما، وتنفصل الخليتان.

تكون لدينا الآن خليتان جديدتان تحتوي كل واحدة منهما على 46 كروموسوم.

تُسمى هذه النسخ بالخلايا الوليدة، وهي مثل التوأم المتماثل؛ فهي نسخ وراثية عن بعضها البعض، كما تعتبر نسخة عن الخلية الأم.

لكن بالطبع هذا ليس هو الحال بالنسبة للتوأم المتماثل، فبالرغم من أنهما نسخ عن بعضهما لا يعني ذلك أنهما نسخة لوالديهما، بل يكون نصف الحمض النووي في خلايا الجسم من الأم، والنصف الآخر من الأب.

لتفسير ذلك لا بد من تفسير طريقه تكوين البويضات والحيوانات المنوية من خلال عملية الانقسام المنصف.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: