نصائح لشد المئزر وتجديد الهمم من أجل اغتنام العشر الأواخر من رمضان

نصائح لشد المئزر وتجديد الهمم من أجل اغتنام العشر الأواخر من رمضان

لا ريب أن الحديث الآن يجب أن يكون منصبًا لتوجيه النصائح للمسلم من أجل اغتنام العشر الأواخر من رمضان. نعم؛ فقد انتصفت أيام هذا الشهر المبارك، الذي تُضَاعف فيه الحسنات، وتُكَفَّر فيه السيئات، وتُقال فيه العثرات، وتُفَتَّح فيه أبواب الجنان، وتُغَلَّق أبواب النيران. وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر.

وعمَّا قليل، يذهب النصف الثاني، ويخرج رمضان تتصرَّم أيامه وتنقضي لياليه، وقد ربح من ربح، وخسر من خسر.

أخي المسلم، لا بد في مثل هذا المقام من تذكير الناس بالمُسارعة إلى الخيرات، والمسابقة في الطَّاعات، والتنافس في القُربات، لأن ربنا ﷻ قد أمرنا بذلك، فقال ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقال ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾.

إن الأنبياء -صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين-، كانوا يسارعون في الخيرات ويتنافسون في الطاعات، فبلغوا الدرجات العُلى عند رب الأرض والسماوات.

إخواني؛ إن ناسا كثيرين يجتهدون في أيام رمضان الأولى ولياليه، وذلك لأن الأمر جديدٌ عليهم، يجدون للعبادة لذَّة، وللطاعة طعما؛ ثم بعد ذلك إذا انقضى ثلث رمضان الأول فإنهم تفتر هِممهم وتكِل عزائمهم ويقعدون عن كثير من الطاعات. فتجد بيوت الله ﷻ بعد أن كانت عامرة بالجماعات، يزدحم الناس على أبوابها، قد صاروا يقِلون رويدا رويدا. وهكذا الحال في صلاة القيام، وفي قراءة القرآن، وفي إطعام الطعام، وغير ذلك من الطاعات.

الفتور عن العبادة في رمضان من المصائِب العِظام التي يُبتلى بها كثير من الناس. ألا فاعلموا -أيها المسلمون عباد الله- أن نبينا ﷺ قد أمرنا باغتنام هذه المواسم.

حديث عن فضل العشر الأواخر من رمضان

نعم، لكنه ليس حديثًا واحدًا. فها هي أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- تقول: كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله.

فأي اجتهد أكثر من هذا يفعله النبي ﷺ ويرشد إليه ويحث عليه! لهذا لمعرفته مدى فضل وعظم هذه الأيام والليالي العشر.

وفي تحرّي ليلة القدر، قال النبي ﷺ «التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي». فهذه كرامة وبركة عظيمة لهذه الأيام والليالي العشر، أن يكون فيها ليلة القدر.

وفي صحيح البخاري أيضًا حديث عن فضل العشر الأواخر من رمضان الذي كان ينشده رسولنا المصطفى ﷺ؛ حيث تقول السيدة عائشة -رضي الله عنها-: أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده.

فهو ﷺ يحاول أن يقتنص كل خير وثواب وأجر بكل أعماله الصالحة خلال هذه العشر.

وهنا: درس عن ليلة القدر مكتوب

معينات لأجل اغتنام العشر الأواخر من رمضان

ومما يعيننا على ذلك:

  1. أولا: أن نجدد النية لله ﷻ، في أننا نصوم هذا الشهر إيمانا واحتسابا، ونقومه إيمانا واحتسابا. ما نصومه عادة وإلفا، ولا نقومه من أجل رياضةِ أجسادنا وصحة أبداننا. وإنما نصوم إيمانا بالله الذي فرض الصيام، ونقوم إيمانا برسول الله ﷺ الذي سَنّ القيام، ونصوم ونقوم احتسابا للأجر عند الله ﷻ.
  2. ثانيا: مما يعين على المواظبة على الطاعات أن يتذكر الإنسان الأجر. لا بد من أن تتذكر في كل يومٍ وفي كل ليلة أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وأن للصائم فرحتين: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه. لا بد أن تتذكَّر في كل يوم أن في الجنة بابا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون، فإذا دخلوا أُغلق دونهم فلا يدخل غيرهم. لا بد أن تتذكر في كل يوم أن كل يوم من أيام رمضان فيه عتقاء لله من النار، وأن كل يوم من أيام رمضان تُضاعَف فيه الحسنات، وتُكَفَّر فيه السيئات.
  3. ثالثًا: مما يعيننا على المواظبة أن نعلم أن الأعمال بالخواتيم، وأن أفضل أيام رمضان ولياليه أواخره. آخر رمضان أفضل من أوله، لماذا؟ لأنها الأيام والليالي التي تُرجى فيها الثمرة، تُنتظَر فيها النتيجة. قال رسول الله ﷺ «ويُغفر لهم في آخر ليلة من رمضان»، قيل: يا رسول الله أهي ليلة القدر؟ قال «لا، وإنما يُعطى الأجير أجره إذا وفّي عمله».

ولذلك كان سيدنا رسول الله ﷺ يجتهد في آخر رمضان ما لا يجتهد في أوله. كان إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان أيقظ أهله وأحيا ليله، وجَد، وشد المئزر. كان يخلِط ليالي رمضان بنومٍ وصلاة؛ فإذا دخلت العشر الأواخر فإنه لا ينام بالليل قَطّ.

فيا أيها المسلمون يا عباد الله؛ أروا الله ﷻ من أنفسكم خيرا؛ أكثروا من تلاوة القرآن، أكثروا من نوافل الصلاة، أكثروا من الصدقات، أطعموا الطعام، أفشوا السلام، صلوا بالليل والناس نيام، استغفروا الله ﷻ، اذكروه ذكرا كثيرا، وسبحوه بكرة وأصيلا، صلوا وسلموا على رسول الله ﷺ. فتِلك كلها قربات ترفعكم عند الله درجات.

وهذه أيضًا: خطبة عن ليلة القدر وفضل العشر الأواخر من رمضان والاجتهاد فيها

إياكم والكسل والتفريط في هذه العشْر

إياكم والكسل، إياكم والتواني والتفريط في هذه الأيام الفاضلة والليالي المباركة. قال رسول الله ﷺ «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك».

افترض أيها المسلم بأن هذا هو آخر رمضان تحضره في هذه الدنيا. قد شهِدنا في هذا العام ناسًا ماتوا قبل رمضان بيومٍ واحد، ما أدركوا هذا الشهر ولا أدركوا فضله. شهِدنا ناسا ماتوا في أثناء هذا الشهر، قبل أن ينقضي؛ عُدّ نفسك واحدا من هؤلاء، قد تموت اليوم، قد تموت غدا؛ فاغتنم اللحظة الحاضرة فيما يقربك إلى الله ﷻ، فإنه قد أجمع العقلاء على أنه ليس للموت سِن مخصوص، ولا سببٌ معين؛ فقد يموت الشاب قبل الشيخ، والصحيح قبل السقيم؛ والله ﷻ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

فاعمل على تكثيف العبادة والطاعة في هذه العشْر، ولعلك أن توفَّق فيها لليلة القدر؛ بلَّغنا الله وإياكم هذه الليلة المبارَكة.

ولا يفوتك: محاضرة عن ليلة القدر

وختامًا؛ فقد كان هذا مقالًا طيبًا -أو نحسبه كذلك- وجَّهنا فيه الحديث نحو مزيد من التوعية والتوجيه، مع طيّب النصائح لشد المئزر وتجديد الهمم من أجل اغتنام العشر الأواخر من رمضان. فلا تحرمونا من تجاربكم المباركة حول اغتنام هذه الأيام المبارَكة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى