كلمة حول ارتفاع أسعار الأدوية.. ورسالة للمسؤولين

قد عظمت -مؤخرًا- شكوى الناس، خاصَّة من غلاء الدواء. فقد ضوعفت أسعاره أضعافا مضاعفة خلال أسبوعٍ مضى، حتى غدا جمهور الناس ممن يعانون أمراضًا فتَّاكة وممن يحتاجون إلى أدوية مُنقذةٍ للحياة، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضراء؛ لا يستطيعون، بل لا يفكرون في شراء الأدوية لهذه الأسعار التي طارت كل مطار.

ألا فاعلموا -أيها المسلمون عباد الله- أن من أوجب الواجبات بعد حِفظ الدين حِفظ الأنفس. ينبغي لمن ولَّاه الله الأمر، ويجب عليه وجوبا أن يحفظ على الناس نفوسهم، وأن يبذل لهم ما يداوون به أمراضهم وما يعالجون به عِللهم. والتسعير في تلك الحال لا بد منه، أن توضع تلك الأدوية -خاصة تلك الأدوية التي لا غنى عنها للمرضى الذين يئنون بالليل والنهار- لا بد أن توضع لتلك الأدوية تسعيرة مُلزمة؛ وهذا الذي ذهب إليه جمع من أهل العلم. فيهم سعيد بن المسيب ويحيى ابن سعيد الأنصاري وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وبعض المالكية وكثير من الحنفية، وقال بذلك أبو العباس ابن تيمية وابن القيم.

قالوا: إذا غلت الأسعار وغلب على الناس الجشع، واستغلوا ظرفا من الظروف. فإن واجبا على من بَسَط الله يده، فإن واجبا على من تولى أمر المسلمين، أن يُسَعر للناس ما لا تقوم حياتهم إلا به.

وهنا: خطبة مكتوبة عن الغش والاحتكار واستغلال حاجة الناس

وفي تعليقه على قول رسول الله ﷺ «إن الله هو المسعر، القابض، الباسط، الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال»، قال الإمام القاضي أبو بكر ابن العربي “رحمه الله”: وقول النبي ﷺ حق، وحُكمه عدل في أُناسٍ استسلموا لربهم، وسَلِمت قلوبهم؛ أما من قصدوا الإضرار بالمسلمين، والصَّد عن سبيل الله، فلا سبيل إلى تركهم.

إذا كان كل إنسان يريد أن يرفع السعر كما يريد، وأن يُضَيّق على المسلمين في أمور ماسَّة بحياتهم؛ ما يمكن أن يقول من في قلبه رحمة، من في قلبه ذرة من رحمة “دع الناس وما يريدون، ودَع الأمر لقانون العرض والطلب”. هذا لا يُقال بحال من الأحوال؛ لأن حِفظ حياة الناس من أوجب الواجبات.

هؤلاء الفقراء، هؤلاء المساكين، هؤلاء المحتاجون؛ ممن يعانون الأدواء والأمراض بالليل والنهار ويرفعون أيديهم إلى من رَفَع السماء بلا عمد، ينبغي أن تُخشَى دعوتهم. فإن رسول الله ﷺ قد قال «اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة»، وقال «واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب».

كان نبينا ﷺ إذا لقيَ عدوًا أو إذا أراد غزوًا فإنه يُقدم النساء والصغار من أجل أن يدعوا. وكان يقول «هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم؟!». إنما تأتي بدعوة هؤلاء الضعفاء، هؤلاء المساكين. ألا فارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.

أيها المسؤولون عن قطاع الصحة، أيها المسؤولون عن إدارة الدوائيات، أيها المسؤولون في وزارة التجارة؛ يا من ولّاه الله الأمر، يا من تسلَّم سُدَّة الحُكم؛ اتقوا الله ﷻ في هؤلاء المساكين، أدركوا قبل فوات الأوان، قبل أن تُرفع دعوة تفتح لها أبواب السماء ويستجيب لها رب العِزة ﷻ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: