أوراق لا قيمة لها.. قصة قصيرة حزينة

أوراق لا قيمة لها , قصة قصيرة حزينة

غادر عيادة الطبيب مكتئبا. مشي في الطريق يحمل المظروف الأبيض الذي يضم صور الأشعة والتحاليل ذاهلا عما حوله. اصطدم بغير أن يشعر بشيخ يتوكأ على عصا فكاد الشيخ يتداعى لولا أن أمسك به معتذرا. أحس أنه في حاجة لأن يستعيد بعض هدوء أعصابة فتوقف وتلفت حوله باحثا عن مقهى قريب. دخل أول مقهى صادفه وهو غارق في أفكاره، وجاء الجارسون فتحير ماذا يطلب منه. هم بحكم العادة أن يطلب فنجان القهوة التي يعشقها، لكن وجه الطبيب الصارم قفز إلى مخيلته فتراجع.

تذكر نفس التحذيرات التي سمعها بصورة مخففة قليلا من كوب الشاي وزجاجة المياه الغازية فلم يدر ماذا يطلب. تاقت نفسه لسيجارة مع فنجان القهوة… فتمثلت الرغبة له وكأنها من أحلام الأيام السعيدة… من الآن لا شيء من ذلك فوداعا لكل لذائذ الحياة البريئة، أما اللذائذ المحرمة فقد تكفل إيمانه بحرمانه منها منذ زمن بعيد… طال وقوف الجارسون أمامه فقال له وهو لا يكاد يعي ما حوله؟

كوب من الماء -من فضلك-…

فاختفى الجارسون ليلبي الطلب متصورا أنه سيأكل بعض الشطائر التي يحملها في المظروف الأبيض قبل أن يطلب الشاي أو القهوة.

متى بدأت متاعبه الصحية؟ لم يعد يذكر بالضبط… كل ما يذكره هو أنه قد لاحظ على نفسه أنه يعاني من بعض الدوار حين ينزل من سيارة الأجرة، وكلما غادر المصعد في مبني العمل، وأرجع ذلك إلى سرعة المصعد، لكنه لاحظ بعد ذلك أن نفس الدوار يفاجئه إذا نهض من مقعده فجأة أو أجهد نفسه في العمل، فاتصل بطبيب صديق له وشكا له من متاعبه، فطلب منه زيارته في المركز الطبي الذي يديره، وفي اليوم التالي استقبله الطبيب مرحبا وفحصه بسماعته، ثم طلب منه ارتداء ملابسه وعاد إلى مكتبه… وأصلح هو من شأنه ثم جلس أمامه فقدم له الطبيب فنجان الشاي ودق الجرس فجاءت الممرضة وسألها:

– أين الدكتورة مني؟

– انصرفت منذ دقائق.

– اتصلي بها واطلبي منها العودة للمركز.

ثم اتجه إليه وراح يحدثه في شئون الحياة كما اعتادا أن يفعلا كلما التقيا، وحاول هو انتزاع نفسه من أفكاره ومجاراته الحديث بذهن غائب، وبعد دقائق عادت الممرضة لتبلغه بوصول الدكتورة مني، فنهض وطلب منه مصاحبته وغادر غرفة الفحص إلى غرفة أخرى قريبة وقدمه للطبيبة الإخصائية في الفحص بالموجات الصوتية، فإذا بها زوجته، وتذكر هو في هذه اللحظة أنه كثيرا ما تحدث معها تليفونيا دون أن يلتقيا، وتحدث الطبيب مع زوجته بالإنجليزية، بضع عبارات مبهمة لم يستطع برغم معرفته للإنجليزية أن يحدد مدلولها ثم انصرف باسما. وطلبت منه الطبيبة خلع ملابسه عن النصف الأعلى من جسمه والصعود فوق مائدة صغيرة… فامتثل طائعا وسحب الاكتئاب تتكثف داخله. من خبرته بالحياة عرف أن صحيح الجسم لا يحتاج إلى فحص طويل وأن المريض وحده هو الذي يطول فحصه ويتطلب الأمر استدعاء إخصائية من بيتها للاشتراك في الفحص. وجلست الطبيبة المتخصصة أمام جهاز الفحص وبدأت مهمتها… ومضت فترة طويلة وهي مستغرقة في عملها باهتمام، ومن حين لآخر تطلب منه أن يستدير لليسار أو لليمين وتغير من موضع جهاز الفحص على صدره، ثم انتهت أخيرا من عملها وقالت له في رقة: لا بأس ليس

الأمر خطير… لكنه يتطلب بعض المتابعة الطبية!

هكذا تكون البداية دائما… ليس الأمر خطيرا… لكن لا تأكل ولا تشرب ولا تسهر… ولا تعش.

في بؤرة الدوامة دار حول نفسه لفترة طويلة تنقل خلالها بين عيادات الإخصائيين ومراكز الأشعة والتحاليل. تضخم ملفه في عيادة صديقه الطبيب حتى أصبح يحتاج إلى حمال ليرفعه من مكانه. عاد إليه بعد الجولة الطويلة حاملا معه النتائج النهائية وجلس أمامه صامتا ينتظر كلمة القضاء فيه.

تأمل الصديق الطبيب النتائج بملامح حيادية لا تنبئ عن شيء… ثم نحاها جانبا وعقد ذراعيه على المكتب وهو يقول له باهتمام:

لن أخدعك وأقول لك إنك سليم معافى… لكني أيضا لا أريدك أن تجزع وتفسد حياتك بالخوف… فالحق إنك لست سليما… لكنك أيضا لا تعتبر حالة حرجة… وهناك شيء ما في حالتك يستدعي المتابعة الطبية مرة كل6 أشهر… وخلال ذلك سوف تلتزم بالدواء التزاما دقيقا، وأريدك أن تتوقف على الفور عن التدخين وتناول القهوة وألا تشرب أكثر من فنجانين من الشاي كل يوم. أيضا لا تمارس أي نوع من الرياضة سوي المشي لفترات قليلة… وعش حياتك بعد ذلك باعتدال والتزم بطعام صحي ولا ترهق نفسك بالعمل وتجنب الانفعال الحاد بكل الطرق، فلا تحزن لشيء حزنا كبيرا ولا تفرح لشيء فرحا طاغيا… فكل أنواع الانفعالات السارة والمحزنة غير مطلوبة، وستكون النتائج طيبة- بإذن الله-. وسيتوقف على التزامك بهذه التعليمات إطالة الفترة التي نكتفي خلالها بالأدوية ولا نحتاج فيها إلى الجراحة.

سمع التعليمات صامتا وصدره ينقبض تدريجيا… خاصة حين جاء ذكر الجراحة، الشبح الذي يتراءى له في أحلامه المزعجة منذ اكتشف حالته، شكره بقنوط وانصرف. القهوة ولأشاي ولا سيجارة… ولا انفعالات… ماذا يبقي له من الحياة بعد ذلك؟ وكيف يتحكم الإنسان في انفعالاته وكثير مما حوله يدعوه للانفعال.

عاد إليه الدارسون فأحس بالحرج وطلب فنجانا من القهوة وهو ينوي أن يبلل به شفتيه فيستشعر مذاق البن المحبب إليه ثم يدع الفنجان في مكانه.

انصرف الجارسون ليلبي الطلب فعاد إلى نفسه وأفكاره. سيطوي صدره على أشجانه ولن يبوح بها لزوجته سميحة مهما تكن الأحوال. طبيعتها الانفعالية تمنعه من أن يشركها معه في همه الجديد، أو يشير إليه معها. خوفها المتأصل في أعماقها من المجهول يفرض عليه أن يحتفظ لنفسه بهواجسه ومخاوفه ويعانيها وحده. في أوقات السعادة وقبل أن تظهر سحب الهموم في الأفق كانت تبكي فجأة… ويسألها منزعجا عما يبكيها… فتقول له بعد إلحاح:

تخيلت فجأة أنك تركتني وحيدة مع ياسمين… فأحسست أني ضائعة… في الحياة!

كان صحيح الجسم، والحياة واعدة بكل الخير… وكانت خائفة دائما من المستقبل… فكيف يكون الحال إذا عرفت بأنه قد أصبح لديها ما تخشاه في الواقع عليه؟

ظروفها أكسبتها هذه الطبيعة الحزينة التي تستجيب لدواعي الخوف بأكثر مما تستجيب لعوامل الأمان. منذ عرفها وأحبها أخذ على عاتقه مسئولية إشعارها بالأمان كل يوم وتبديد مخاوفها وهواجسها.

نشأت وحيدة أبويها… وانفصل أبوها عن أمها وهي صغيرة فعانت مرارة الحرمان من حنان الأب ورعايته. وتزوجت أمها فتشردت بين بيوت أبيها المتزوج… وجدتها… وأمها… لا تعرف الاستقرار في مكان واحد لأكثر من شهور، ثم تحمل حقيبتها وترحل إلى مأوى جديد… وماتت أمها بغير أن تنجب من زوجها الجديد فبكتها طويلا… وبكت أكثر لأنها لم تمنحها أخا تستند إلى كتفه في رحلة الحياة. انقطعت صلتها بعد رحيلها بزوج الأم الأخير وأولاده، وبعد شهور من رحيل أمها توفيت جدتها فلم تخلع سواد الحداد وجفت منابع الدمع في عينيها. فاجأها بعد شهور أخري أبوها بطلاق زوجته الجديدة وعودته للحياة معها في شقتها القديمة يائسا من تكرار التجربة فاطمأنت بعض الشيء، لكن رواسب الأكدار استقرت في نفسها حتى النهاية، أمضت فترة الصبا والمراهقة تعيش مع أبيها… وتقوم له بدور ربة البيت… تسأله عن أخوالها وأعمامها، فيجيبها بأنه لم يكن لأمها إخوة سوي أخ واحد مات في الغربة، وليس له سوي شقيق واحد يعيش في قريته بأقصي الجنوب وتمضي السنوات قبل أن يلتقيا.

تتوق للأهل والأقارب والرفيقات، وتراسل ابنة عمها في بلدتها البعيدة وتسعد بردها وتحبها بغير أن تراها. عرفها هو وهي في عامها الأخير بالجامعة… رشحتها له جارة طيبة لأبيها تعرف ظروفها وتحبها وتحنو عليها. قالت له:

فتاة طيبة ووحيدة وتحب الناس فتقدم لخطبتها، ورحب به أبوها ولمس بعد قليل قبولها له وحرصها عليه. فنمت المشاعر بتؤدة وعمق. وغلبته مشاعره بعد قليل وفاتحها بحبه فكأنما ضغط بيده على قشرتها الأرضية فتفجر من تحتها ينبوع الحب المكتوم وأغرقه بطوفان من المشاعر. أحب أباها سريعا واستراح إليه وأحبه الرجل واطمأن إليه فقال له:

لم أنجب ابنا فكن ابني الذي يحمي أخته من غوائل الحياة ويسعدها. وقالت له هي بعد الزفاف:

أنت وأبي كل دنياي وأهلي فلا تتركاني وحيدة مهما يحدث… ومهما أخطأت في حق أحدكما! فاحتضنها بإشفاق وطالبها بألا تتخلي هي عنه ذات يوم! وتعاهدا على ذلك.

لكن أباها لم يحفظ عهده طويلا… فرحل عن الحياة بعد ثلاثة أعوام من الزواج، أنجبت خلالها طفلتها الجميلة ياسمين، فسالت دموعها أنهارا… وفي غمرة أحزانها لم تنس أن تذكره بأنه قد أصبح كل أهلها وتطالبه بتجديد العهد.

وبإصرار يعرف أسبابه حاولت أن تنجب مرة ثانية وثالثة فلم يأذن الله لها باكتمال الحمل مرة أخري. ونصحها الطبيب بعدم تكرار التجربة لخطرها على صحتها فاستسلمت يائسة وباكية وهي تقول:

تمنيت ألا تعيش ياسمين وحيدة كما عشت حياتي، لكن إرادة الله فوق كل شيء.

وخفف عنها شجونها بكل ما استطاع من حيله. وشجعها على العمل لكي تحس بالأمان، وتقتنع بأنها تستطيع حتى في أسوأ الاحتمالات أن تعتمد على نفسها في مواجهة الحياة. لكن كأنما استقر الخوف في وجدانها ولم تعد تجدي معه وسيلة. لا تريده ان يغيب عن عينيها طويلا ولو استطاعت لصاحبته إلى عمله… أو اصطحبته معها إلى عملها. لا يستقر لها جانب في الليل إلا إذا سمعت حركة قدميه في الشقة، وأحست بأنفاسه إلى جوارها. تنام… ولا تنام… يتسلل إلى الفراش محاذرا إيقاظها، فما ان يستقر فيه حتى يحس لمس يدها لشعره… ويسمع صوتها الهامس يقول:

– تأخرت يا بابا…

فإذا أجابها مفسرا غيبته اكتشف انها قد عادت للاستغراق في النوم أو بدأت بمعني أصح استغراقها الحقيقي في النوم.

فكيف سيكون حال هذه الخائفة دائما التي تحتمي به إذا عرفت أن سندها الوحيد في الحياة مهدد بالخطر؟ لا لن يصارحها بشيء، وسوف يخفي هذه الفحوص والأوراق عنها كما فعل طوال الأيام الماضية، وسيحتال عليها لإقناعها بأنه سيلتزم بنظام للأكل الصحي ويمتنع عن التدخين والقهوة والشاي والمياه الغازية لتخفيف وزنه، بعد أن انتقده الأصدقاء لاتجاهه للبدانة. لكن هل ستقتنع حقا بذلك؟. تأمل الموقف فتخيلها وهي تنظر إليه في شك وسحب الهموم تتجمع تدريجيا فوق جبهتها… ثم تسأله فجأة: وما دخل القهوة والتدخين بالوزن الزائد؟.

وتحاصره بعد ذلك بالأسئلة والاستفسارات… ثم تنفجر دموعها فجأة وهي تصرخ كأنما اكتشفت خيانته قائلة:

يا ربي… أنت عيان… قلبي قال لي ذلك منذ أيام… ورأيت حلما مخيفا منذ بضع ليال… رأيتك في سرير أبيض… وأنا وياسمين نقف إلى جوارك.

ثم تولول وتنتحب وتردد على مسامعه ما سبق أن سمعه منها مرارا:

ياربي… ماذا سأفعل أنا وياسمين لو جرى لك شيء؟

ثم تتدفق دموعها بلا توقف وتعجز عن الحركة من الفراش في اليوم التالي ويتصل بعملها لإبلاغ زملائها بمرضها، ويعتذر عن عدم الذهاب إلى عمله، ويمضي اليوم إلى جوار فراشها وهو يقسم لها أنه بخير… وإن صحته كالحديد وان المسألة لا تعدو فكرة طارئة لإنقاص الوزن، ولن يتمسك بها إذا كان في ذلك ما يطمئنها… وهيهات أن تطمئن بعد ذلك إلا إذا اتصلت سرا بصديقه الطبيب وسألته عن الحقيقة وكررت الاتصال به مرات ومرات، ثم راقبته خفية في كل حركة من حركاته حتى تهدأ هواجسها.

لقد كان حصيفا حين لفت نظر صديقه إلى هذه المسألة… وأوصاه إذا اتصلت به سميحة أن ينكر أنه زاره أو التقي به منذ أسابيع.

وسوف يعيد تذكيره بذلك حين يذهب إلى مكتبه غدا… أما الآن فلن يصارحها بشيء… ولن يعرض عليها رغبته في إنقاص وزنه أو الالتزام بالطعام الصحي. بل وسيتناول إفطاره العادي ويشرب معها قهوة الصباح كالعادة في مجلسهما بصالة الشقة كل صباح قبل الذهاب للعمل… وسيتناول معها كذلك طعام الغداء المألوف في الرابعة مساء الذي تحرص على اجتماع شملهما فيه مع ياسمين كل يوم حرصها على حياتها، أما العشاء فقد تجدي بعض الجمل في الاعتذار عنه وسيتناول الدواء في العمل فقط ولن يصحبه معه إلى البيت… وليفعل الله بعد ذلك ما يشاء… نعم وليفعل الله ما يشاء وهو أرحم الراحمين.

واطمأن إلى ما انتهى إليه تفكيره في النهاية فأشار للجارسون ونقده حسابه… واكتشف وهو يفعل ذلك أن فنجانه الذي اعتزم أن يكتفي بتذوق رشفة واحدة منه، ليس به سوى تنوه القهوة في القاع ودوائر متشابكة ومتقاطعة من الخطوط على جدرانه الخالية فتسللت ابتسامة حزينة إلى شفتيه وكأنما يهون الأمر على نفسه ويقول لها:

مرة وفاتت.

ثم نهض مغادرا المقهى ووقف على الرصيف ينتظر سيارة أجرة… ولوح لسيارة عابرة بالمظروف الذي يحمله فتذكر أمره وتساءل في قلق: ماذا أفعل بهذه المصيبة الآن ومبني العمل مغلق في المساء… وقبل أن يتوصل إلى قرار توقفت أمامه سيارة أجرة فانحني ليركبها وسقط منه المظروف على الأرض وهو يركب السيارة فنظر إليه لحظة وهم بالتقاطه… ثم تراجع وأغلق باب السيارة؛ فقال له السائق منبها:

سقط منك شيء على الأرض.

فقال له وهو يتظاهر بالاستهانة:

إنها أوراق لا قيمة لها… مدينة نصر… -من فضلك-.

بقلم: عبدالوهاب مطاوع

قصص مقترحة من أجلك أيضًا..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: