بعد نشر أعمق صورة للكون بواسطة تلسكوب جيمس ويب.. ماذا يعني هذا؟

نشرت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا صورًا تشويقية لما قالت إنها أعمق صورة للكون تُلتقط حتى الآن على الإطلاق، وذلك بواسطة تلسكوب جيمس ويب. وهذه الصورة تبين جانبا من عظمة الكون من حولنا.

اللافت للنظر أن هذه الصور نفسها تزيد الذين آمنوا إيمانا وتزيد المنبهرين بالغرب سفها وكفرانا. قال الله ﷻ في المنافقين ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ | وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.

هل يعني هذا أن الدليل نفسه مُحايد؟ بحيث يمكن أن يدل على الله، ويمكن أن يدل على إنكار الله؟ طبعا لا، وإنما أن الآيات الكونية كلها دالة على الله بحيث ينتفع بها من سلمت فطرته وعقله وقلبه. أما إذا انحرفت فطرة الإنسان وعقله وقلبه فإنه كالأعمى لا تنفعه الصور الجميلة مهما عُرضت عليه، ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾.

ولاحظ أن الله ﷻ عبَّر باللفظ نفسه عن أدلة القرآن المستورة وأدلة الكون المنظورة “آيات”؛ فكلها آيات، دلالات على الله ﷻ وعظمته وقدرته.

الشَّاك أو المهزوم نفسيا والذليل للغرب يتكلم عن هذه الاكتشافات وكأن الذين صوروها هم الذين خلقوها، وبدل أن يسعى لتتقدم أُمته الإسلامية في العلوم من جديد فإنه يُعيّر بها المسلمين. هذا مع أن المكتشفين والمنبهرين بهم والبشر أجمعين لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له، ذبابة واحدِة، ليس مجرة ولا حتى نجم ولا كوكب.

بينما المسلم العزيز بإيمانه كلما رأى آية جديدة كهذه قال ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.

فكون بهذه العظمة دال بلا شك على رب قدير، عظيم، عليم، حكيم. سبحانك، تنزهت يا ربنا عن الباطل والعبث، فلا شك أنك خلقتنا وخلقت الكون لحِكمة، فإذا وقفنا بين يديك للحساب فقنا عذاب النار.

المؤمن يستدل بهذه الآيات على قدرة الله ﷻ على إحياء العظام وهي رميم، لأنه يعلم أن ذلك أهون على الله من خلق هذا الكون الفسيح، ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾.

قال الله ﷻ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلا مَّا تَتَذَكَّرُونَ﴾.

فالذي لا ينتفع بهذه الآيات أعمى.

المؤمن إذا رأى عظمة الكون علِم أن الله خلق السماوات والأرض بالحق، قال الله ﷻ ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾؛ قال ﷻ بعدها مباشرة ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾.

الذي يعبد الهوى ويعيش لأجل الشهوات لا ينفعه عِلمه ولا هذه المشاهدات العظيمة، بل يُعجّبنا الله من قدرته -سبحانه- على حجب هؤلاء عن أكبر الحقائِق وأوضحها، وهي وجوده وحدانيته وعظمته -سبحانه-، بحيث لا هم علومهم، ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾.

﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ | أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لّا يُوقِنُونَ﴾ واحد من عِدَّة احتمالات:

أنهم خلقوا هكذا من غير شيء، وخرجوا من العدم إلى الوجود دون مسبب، وهذا ما لا يقول به عاقل.

أو أنهم هم الخالقون؛ فخلقوا أنفسهم بأنفسهم، وهذا لا يقول به عاقل.

أو أنهم خلقوا السماوات والأرض بأنفسهم، وهذا لا يقول به عاقل.

فلا يبقى إلا أنهم مخلوقون من مسببٍ أول، خالق غير مخلوق، يحتاج إليه كل ما في الكون ولا يحتاج إلى أحد.

الجاهلية الحديثة كما أنها أفسدت فطرة الناس الأخلاقية، وجعلت المسلمات الأخلاقية محل شكٍ ونقاش بل وفرضت أقذر الفواحش فرضا وقالت فيمن يرفضونها ﴿أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾، فإن الجاهلية الحديثة أفسدت فِطرة الناس العقلية ودلالة العقل والفطرة القاطعة على وجود الله وعظمته.

وتذكروا إله نرى أثر عظمته وقدرته وحكمته، جديرٌ بأن يُطاع ولا يعصى، ويُذكَر ولا يُنْسَى، ويُعَظَّم، ولا يُستهان بأمره ونهيه وشرعه. نسأل الله أن يهدينا، ويهدي بنا.

نقلا عن: د.إياد قنيبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: