أحد أروع خطب يوم الجمعة «مكتوبة» بعنوان: حقوق وواجبات الزوجين

شارك عبر:

أروع خطب يوم الجمعة , حقوق وواجبات الزوجين

عِندما فكَّرنا في انتقاء وصف مناسب لما سنقدمه لكم اليوم، وجدنا أنَّها فعلا أحد أروع خطب يوم الجمعة التي وفَّرناها لكم على صفحات موقع المزيد.كوم؛ وهي تأتيكُم بعنوان: حقوق وواجبات الزوجين. والتي نتناول من خلالها هذا الأَمر الذي تسبَّب الجهل به في الكثير من الخِلافات الزوجيَّة والأُسريَّة والعائلية. بل، وقد تطوَّر وبلغ من عواقبه التفكك الأُسري وشيوع حالات الطلاق وانهيار الأُسَر والبيوت؛ وخراب المجتمعات الإسلاميَّة.

الآن؛ وفي خطبة الجمعة التي نوفرها لكم هاهُنا -مكتوبة- نستعرِض الكثير من هذه الجوانب الحيويَّة في هذا الشَّأن والموضوع، وهو حقوق وواجبات الزوجين. سواء الزَّوج لزوجته، أو الزَّوجة لزوجها.

مقدمة الخطبة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَنْ يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هادِيَ له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا | يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

الخطبة الأولى

أما بعد.. فيا أيها المؤمنون، اتقوا الله حق التقوى ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج]، اتقوا الله بامتثالكم ما تَعْلَمُون من أوامره، وبانتهائكم عما نَهَى الله ﷻ عنه ورسوله، فإن الفلاح كل الفلاح، والسعادة الحقة كلّ السعادة في اتباع أمر الله واتباع أمر رسوله، فإنما في ذلكم الهدى والاهتداء ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ النور﴾.

أما بعد.. فيا أيها المؤمنون، إن الله ﷻ من رحمته بعباده، ومن آياته التي جعلها ماثلة لكل رَجُل بل ولكل امرأة، أن جعل للإنسان من نفسه زوجًا لِيَسْكُنَ إليها ولتكونَ أُنسًا له، وليكون بها رَاحَةُ البَدَن له، وراحةُ الرُّوح له، فمن آياته أن خَلَقَ لنا من أنفسنا أزواجا، فمن آياته أن جعل للرُّوحَ إذا تَعِبَتْ ما تسكن إليه، وتنشط بعد السُّكْنَى إليه، وكذلك البَدَن له متطلباته، فالله ﷻ مِن حِكْمَته العظيمة أن كَمَّلَ ما يحتاجه الإنسان من الرجل والمرأة، فالرجل يحتاج إلى المرأة والمرأة تحتاج إلى الرجل، وجعل بينهما المودة والرحمة بالزواج، فقال ﷻ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم]، وقال ﷻ: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩].

فالله ﷻ امْتَنَّ على خَلْقِهِ بأن جعل للرجال الأزواج من النساء، وللنساء الأزواج من الرجال، وهذه المِنَّةَ لِغَرَضِ أن يكون بها السُّكْنَى، وأن تكون معها المودة والرحمة بين هذا وتلك، بين هذا الرجل وبين تلك المرأة، فإن بها قِوَامَ الحياة، وإن بها سعادة النفس؛ لكي تمضي في أمر الله وهي مستقرة لا تتنازعها الشياطين، ولهذا جعل الله ﷻ للمرأة على الرجل حُقُوقًا، وجعل للرجل على المرأة حقوقا، فقال ﷻ: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ۲۲۸]، فجعل على الرجل واجبًا تجاه زَوْجِه، وجعل على المرأة واجبًا تجاه زوجها، فهذا عليه واجب، وهذه عليها واجب.

فإذا أَدَّى الرجل واجِبَه، وإذا أدَّتِ المرأة واجبها مُخْلِصين في ذلك مُمْتَثِلَيْنِ في ذلك أَمْرَ الله ﷻ كان بيت الزوجية بَيْتَ سَكَن ومودة ورحمة، وكان بيت الزوجية بيت الف وانشراح للصدر وسكون للبدن والروح، ونشأ عن ذلك الجيل الصالح، الذي ينشأ في استقامة روحية، وفي استقامة بدنية؛ لأن الاطمئنان بين الزوجين سبب من أسباب التربية الناجحة، قال ﷻ: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بالمعروف﴾ فجعل الواجب مشتركًا، وضبط ذلك الواجب بالمعروف، أي: بما تَعَارَفُه الناس من الواجب، بما أَباحَ الشرع، وبما أذِنَ به الشَّرْع، فجعل على الرجل واجبًا بالمعروف، يَعْنِي بما تُعُورِفَ عليه، وعلى المرأة واجبًا بالمعروف، أي: بما تُعُورِفَ عليه.

فإذا كانا الزوجان في مجتمع تَعَارَفُوا على أن من واجبات المرأة على زوجها، ومن واجب الزوج على امرأته أن يفعل كذا وكذا، وأن تفعل هي كذا وكذا، ولم يكن ذلك مما نُهي عنه في الشرع كان ذلك من الواجب عليهما؛ لأنه بالمعروف على الصحيح من قَوْلَي العلماء في هذه المسألة.

ولهذا يجب على الرجل أن يؤدي حَقَّ امرأته طيبا بذلك نَفْسه، فيؤتيها ما يَجِبُ لها من النِّفَقَةِ، ومن السُّكْنَى، ومن العِشْرَة بالمعروف مع طيب النفس، فإذا كانت العشرة بغير معروف كان مُرْتَكِبًا لِمُحَرَّمِ، وغير مُمْتَثل لقوله ﷻ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ۱۹]، فإن الحال؛ حال الرجل مع زوجه:

  • إما أن تكون حَالَ مَحَبَّةٍ.
  • وإما أن تكون حَالَ كَرَاهِيةٍ.

وفي الحالين يجب على الرجُل أن يُعاشِرَ زوجته بالمعروف. قال ﷻ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء]. فكم من رجال عاشَرُوا أزواجهن بالمعروف حالَ كَرَاهِيتهم لأزواجهن، ثم أُعْقِبُوا بذلك الخَيْر الكثير من الأَنْسِ، ومِن الرِّزْق بالولد الذي سَرَّهم فيما بعد. فطاعة الله ﷻ فيها الخيرُ كُلّه في العاجل والآجل ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء].

الواجبات أيها المؤمنون التي للرجال على النساء، وللنساء على الرجال واجبات كثيرة متنوعة بعضها أشد من بعض، فمن ذلك أن المرأة تستحق على زوجها أن يعطيها ما يكفيها بالمعروف فلا يقطر عليها، ولا يسلبها حقها، فإن سَلَب المرأةَ حَقَّها، وإن قَصَّرَ في أداء ما يجب عليه من الإنفاق عليها، فإنه قد خالف أمر الله، وكان مُرتكِبًا بذلك ما حَرَّمَ الله ﷻ؛ لأن من العشرة بالمعروف الإنفاق على الزوجة، وقد قال ﷺ لِمَنْ شَكَتْ زَوْجَهَا خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ أَي أن تأخذ من مال زوجها، ولو لم يَأْذَنِ الزوج بذلك إذا كان أَخُذُها بالمعروف؛ لأن ذلك حَقٌّ وَجَبَ عليه لها، فيجب عليه أن يؤدي ذلك الحقِّ لها، فإن لم يُؤَدَّ ذلك صارَ عَاصِبًا وكان مُمَاطِلًا بالحَقِّ، فإذا قَدَرَتْ على شيءٍ من ماله فإن لها أن تأخذ من ذلك بالمعروف غير آخِذَةٍ فَوْقَ ما وَجَبَ لها عليه، وغير آخِذَةٍ فوق ما هو بالمعروف. فينبغي على الرجل ألا يُقَطَّرَ على زوجته فإن من العِشرة بالمعروف أن يُعطيها ما يكفيها.

وكذلك من العِشْرَة بالمعروف أن يبيت عند المرأة من نسائه، فيبيت عندها ليلة من كل أربع ليالي إلا إذا اشْتَرَطَتْ أو طالبَتْ بأكثر من ذلك، فَرَضِي، فإن عليه أن يؤدّي الشرْطَ، فيجب عليه أن يُؤْنِسَها في الليل، والأنس المقصود هو الاجتماع وليس المقصود منه الوطء وتوابع ذلك؛ لأن النفس تحتاج إلى الأنس، وتحتاج إلى أن يكون الرجل آنسًا بامرأته، وأن تكون المرأة آنسة بزوجها، فمن الغَلَطِ بل ومِن المُحَرَّم أن يعيش رجالٌ بين زوجاتهم لَيَالِي طويلة، والرجال لا يأتون أزواجهم في الليل إلا في ساعات متأخرة لا تتم معها العِشْرَة، ولا يتم معها الأنس، بل يأتي لينام، والله ﷻ جَعَلَ على الرجل أن يُعَاشِرَ بالمعروف، وأن يجعل لزوجه عليه السُّكْنَى والسَّكَن لنفسها، والسكن لبَدَنِها، فإذا فَرَّطَ في ذلك كحال الذين يَسْهَرُون الليالي مع أصحابهم، أو في منتدياتهم، فإذا أتى إلى بيته لم يكن هَمُّه إلا أن يَطَاً، أو لم يكن همه إلا أن ينام، فهذا فيه تفريط بالحق؛ لأن للمرأة أن تجعلها ساكنة وأن تؤنس صدرها؛ والغرض من فرض المبيت ليلة من كل أربع ليالٍ أن تتم السُّكْنَى، وأن تَتِمَّ المودة والرحمة، فإذا فَرَّطَ في ذلك كان مُرْتَكِبًا لما لا يجوز شرعًا.

كذلك على الرجل أن لا يطلب من زوجه كل حقه عليها، كما قال ابن عباس وهذه حال المتقين الذين يخشون لقاء الله لما تلا قول الله ﷻ: ﴿وَلهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ۲۲۸]. قال ابن عباس: إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِلْمَرْأَةِ كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَزَيَّنَ لِي؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَكَ يقول: ﴿وَلهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وَمَا أُحِبُّ أَنْ تَسْتَطِفٌ جَمِيعَ حَقٌّ لِي عَلَيْهَا؛ لأَنَّ اللهَ وَل يَقُولُ: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةُ﴾ [البقرة: ۲۲۸].

فقد أَوْجَبَ الله ﷻ على الرجل مثل ما أوجب على المرأة سواء بسواء، والرجال لهم على النساء دَرَجَة بما آتَاهُمُ اللهُ مِن المال، ومِن الإنفاق، ومن الأمر والنهي، أما الحقوق العامة فالزوجان فيها سواء؛ لهذا كان ابن عباس يتنازل عن حَقَّه على امرأته خَشْيَة أن يَجب عليه كُلُّ حَقٌّ امرأته عليه، فإن الرجل لابد أن يفرذ في بعض حق الزوجة بعض التفريط إما في نفقة أو في عشرة بمعروف أو في غضب فيما لا يشرع الغضب فيه، أو في نحو ذلك مما ليس له الحق فيه، ويطالب زوجته بما هو فوق المعروف، وإنما يجب عليه أن يقابلها بمثل ما طالبها به، فقد كان ابن عباس من فِطْنَتِهِ، ومن وَرَعِهِ، وَمِن علمه بالقرآن أنه قال: مَا أُحِبُّ أَنْ تَسْتَطِفْ جَمِيعَ حَقٌّ لِي عَلَيْهَا.. وذلك من الفقه، ومن الورع، ومن التقوى.

فمِنَ الرجالِ مَنْ يُطالب امرأته بأشياء كثيرة كثيرة ويُدِلُّ في ذلك بأن له الحق، لكنه إذا تأمل وخَلاَ بنَفْسِهِ وَجَدَ أنه لا يقوم بحق العشرة معها بالمعروف بل يفرط في ذلك كثيرًا، وهذا آثِمٌ؛ لأنه طَلَبَ أكثر مما أعطى، والمرأة والرجل في هذا الأمر سواء. ومن الحقوق التي للمرأة على الرجل أنه إذا طالَبَها بأن تَتَزَيَّنَ له، فإن لها عليه أن يتزين لها، وأن يتجمل لها؛ لأن هذا حق مشترك بينهما، فقد قال ابن عباس في تفسير قوله ﷻ: ﴿وَلهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ۲۲۸]: إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِلْمَرْأَةِ كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَزَيَّنَ لِي، وهذا – أيضًا – من عظيم التقوى؛ لأن المرأة فيها نَفْس بشرية، لها الرغبة كما أن للرجل الرغبة، فإذا كان الرجل يطالب امرأته بشيء لا يلزم نفسه به أيضًا، فإنه في هذه الحال:

  • إما أنه يظن أنَّ نَفْسَ امرأتِهِ تختلف فيما تَرْغَبُ وتَكْرَه عما في نفسه.
  • وإما أن يكون من الجهال الذي لا يعلمون.

وفي كلتا الحالين يجب على الزوج أن يَرْعَى حَقَّ نَفْسٍ زوجته، وأن يجعلها ساكِنَةٌ مُطْمَئِنَّةٌ في الزوجية، فإن العشرة الزوجية من مقاصدها في الشرع المُطَهَّر في الإسلام أن يعيش الرجل ونَفْسُهُ مُطْمَئِنَّة لا تنازعه إلى شَر، ولا إلى مُخَالَفَةٍ لأمر الله.

كذلك من اسرار النفس أن من حقوق المرأة أن تكون نَفْسُها ساكنة مطمئنة في الزوجية، وأن لا تنازعها نَفْسُها الأَمارة بالسُّوء إلى شيء من الشر.

وإِنَّ مَنْ يُفَرِّط في هذه الأمر من الرجال وَجَدَ أَثَرَ ذلك في بيته، ووجد أثر ذلك في أَهْلِه، وبيتُ الزوجية بيت عظيم، وربما تعدى أثر ذلك التفريط إلى الأولاد، من جهة عدم العناية بتربيتهم، ومن جهة عدم العناية بتأديبهم، والرجل إذا غَفَلَ عن بيته، وغَفَلَ عن أداءِ حُقوقِ الزوجية وقَعَ ما لا يُحْمَدُ عُقْبَاه في بيته، سواء أكان من جهة التربية أم من جهة الإخلال بالفرائض، أو من جهة ارتكاب بعض المنهيات التي حرمها الله ﷻ.

هذا وإن تساهل بعض الرجال في الحقوق الزوجية، أدى إلى تساهل النساء أيضا في تلك الحقوق، فنتج عن هذا التساهل من جانب الرجال والنساء وُقُوعُ أُمورٍ لا يُحْمَد عُقْباها من الصغائر أو من الكبائر والعياذ بالله، وكان من أسباب ذلك أن الرجل غاب عن بيته، وغاب عن أداء حقوق زوجه، والمرأةُ نَفْسٌ منفوسة تحتاج إلى الرعاية، كما أن الرجل إذا احتاج إلى قضاء حاجاته البشرية ذهب يطلب زوجه، فالمرأة إذا غاب عنها زوجها، ولم يكن معها من عصمة الإيمان وتقوى الله والورع وتعظيم اليوم الآخر، إذا لم يكن معها من ذلك ما يعصمها من الصغائر، أو ما يعصمها من الكبائر ربما أتاها الشيطان شيئًا فشيئًا فحَبَّبَ إليها الشرَّ، سواء عن طريق الإنس وقُرَنَاء السوء وقرينات السوء، أم عن سُبل مختلفة. أسأل الله ﷻ أن يُرِيَنا في المسلمين والمسلمات خيرًا.

كذلك أيها المؤمنون، إن مِن عُمَدِ بيت الزوجية، أن يكون بيت الزوجية مُقامًا على تقوى الله، مُقاما على الإيمان بالله وعلى خشيته وعلى الإنابة إليه، فالرجلُ مع المرأة يَتَعَاوَنَانِ، يُعِين الرجلُ المرأةَ، وتُعِين المرأة الرجل على أداء حقوق الله، فإذا غَفَلَ الرجلُ ذَكَّرَتْهُ المرأة، وإذا غَفَلَتِ المرأةُ ذَكَّرَها الرجلُ، فيكون الرجلُ أَمَّارًا لزوجته، وتكون المرأة أَمَّارةً لزوجها، فيقوم البنيان على تقوى من الله ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق]، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسرًا﴾ [الطلاق].

فسمعنا من الأزواج من أقام بيت الزوجية على تقوى من الله، فأعقبه ذلك الفرح والسرور في حياته، فيحيا عيشة هنية وفتحت له أبواب الأرزاق، بشهادة من حصل له ذلك، وليس هذا بغريب؛ لأن الله ﷻ قال: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق].

إذا أيها المؤمنون، إن للزوجة حقًا، وإن للرجل حقًّا، وقد قال ﷺ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عَوَان عِنْدَكُمْ» أَي: أسيرات، وقد كان الرسول ﷺ يُوصِي كثيرًا بالنساء، وحَبَّبَ في ذلك وإلى ذلك بقوله: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»، فقد كان الرسول ﷺ إذا بَيْتَه ضَاحَكَ زوجه، وآنَسَهَا، وكان في خدمة أهل بيته، ولم يَسْتَنْكِرْ ولم يستكبر؛ لأنه ﷺ إنما يفعل ذلك امتثالاً لأَمْرِ الله ﷻ وليجعل في ذلك القدوة للمؤمنين، اللهم صل وسَلّم عليه، ومُنَّ علينا باتباع سنتِهِ، وبالاهتداء بهديه فإذا كان للرجل أكثر من زوجة، وَجَبَ عليه أن يَعْدِلَ بينهن في مبيته بأن يبيت عند هذه ليلة، وأن يبيت عند الأخرى ليلةً، والقصد من المبيت هو الاستئناسُ، وليس القصد الجماع والوقاع، وإنما القصد الاستئناس، وأن يُؤنس هذه في ليلتها ويطمئن نفسها، ويبيت عندها، وعند الأخرى ليلة مثل الأولى.

وكذلك إذا كان عنده ثلاث أو أربع زوجات، فإن عليه أن يقسم بينهن، لكل واحدة ليلة. وكذلك أن يعدل بينهن في نفقته، فإذا أعطى هذه أعطى الأخرى، وأعطى الثالثة، وهكذا، فالعدل في القَسْمِ بين الزوجات واجبٌ في المبيت وكذلك في النَّفَقةِ، فليس للزوج أن يَمْنَحَ امرأةً فوق العادةِ بما لم يمنح به المرأة الأخرى، وهذا من الظلم، وقد جاء في الحديث الصحيح «مَنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَتَانِ فَكَانَ يَمِيلُ مَعَ إِحْدَاهُمَا عَن الأُخْرَى جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدُ شِقَيْهِ مَائِلٌ» -أَوْ قَالَ: «سَاقِطٌ»- لأنه ظَلَمَ، ومَنْ ظَلَمَ عوقب بعقاب الله.

نسأل الله ﷻ لنا ولكم العافية من الظلم ومن أسبابه، وأن يَمُنَّ علينا بالعدل في أنفسنا، وفي أهلينا، وفيما وَلِيَنا.

أسأل الله ﷻ أن يَمُنَّ علينا بالتوبة من كل ذَنْب وبالاستغفار من الذنوب كلها، وأن يمن علينا بالاستقامة على أمره ﷻ راضية بذلك أنفسنا؛ اللهم استجب.

وتذكَّروا الآية الكريمة ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم].

بَارَكَ الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

وهذه: خطبة عن أسباب السعادة الزوجية

الخطبة الثانية

الحمد على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله هو الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد.. فإن أحسنَ الحديثِ كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة، وعليكم بلزوم التقوى، فإن بالتقوى رِفْعَتكم وفَخَارَكم عند الله، فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون هذا واعلموا رَحِمَنِي الله وإياكم أن الله ﷻ أمركم بأمر عظيم بدأ فيه بنفسه وثَنَّى بملائكته ليدلكم على عَظَمَتِهِ، فقال ﷻ قولاً كريمًا ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب].

ما رأيكم أيضًا أن تطَّلعوا على: الأسرة سكن ومودة — خطبة الجمعة مكتوبة وجاهزة ومُنسَّقة

الدُّعـاء

اللهمَّ صَلِّ وسَلّمْ وبَارِكْ على عبدك ورسولك محمد، صاحب الوجه الأنور والجبين الأَزْهَرِ، وارْضَ اللهمَّ عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء الذين قَضَوْا بالحق وبه كانوا يعدلون، وعنا معهم بِعَفْوِك، ورحمتك يا أرحم الراحمين، وعن جميع الصحابة والآلِ ومَنْ تَبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

  • اللهمَّ أَعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشِّرْكَ والمشركين، واحْم حَوْزَةَ الدِّين، وانصُرُ عِبادَك الموَحَدِين.
  • اللهم انصر عبادك الذين يجاهدون في سبيلك، اللهم انصر عبادك الذين يجاهدون في سبيلك يا أكرم الأكرمين.
  • اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنًا في دُورِنا، وأَصْلِحْ أَئِمَّتنا ووُلاَةَ أُمُورِنا، ووفقهم اللهم بتوفيقك، ودُلَّهم على الرَّشَادِ، وباعد بينهم وبين كُلِّ رَأْي باطِل أو غَلَط أو ليست مُصْلَحَته للمسلمين، يا رب العالمين.
  • اللهم نسألك أن ترفع عنا الرِّبَا، اللهمَّ ارْفَعْ عنا الربا والزِّنا وأسبابه، وادْفَعْ عنا الزلازل والمِحَنَ وسُوءَ الفتن ما ظهر منها وما بَطَنَ، عن بلادنا هذه بخاصة، وعن سائر بلاد المؤمنين بعامة يا رب العالمين.
  • اللهم لا تُمِتنا إلا وقد وَفَقْتَنا لِتَوبة نَصُوحٍ، رَبَّنا نَشْكُو إليك قَسُوةَ قُلُوبَنا فَأَلِنْها يَا أَجُودَ الأَجْوَدِين.
  • اللهم ألِنْ قُلوبَنَا لِطَاعَتِكَ، اللهم اجعل قُلُوبَنا خاشِعةً، ونعوذ بك أن تكون قاسية.
  • اللهم اجعل قلوبنا خاشعة، اللهم نسألك قلبا خاشعًا وعملا صالحًا، ودعاء مسموعا يا أكرم الأكرمين.

عِبادَ الرَّحمن، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل]، فاذكروا الله العظيم الجليل يَذْكُرُكم، واشكروه على النعم يَزِدْكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت].

وأَقِـم الصَّـلاة..

الآن؛ أستطيع القَول أنني قد انتهيت من كِتابة هذه الخطبة ونقلها لكم، والتي وصفتها -كما أخبرتكم في بداية هذه الصَّفحة- بأنها أحد أروع خطب يوم الجمعة. وهي تحت عنوان: حقوق وواجبات الزوجين.

الخطبة من إلقاء فضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -جزاه الله خيرا-. وقد قُمنا بتوفيرها لكم مكتوبة، حتى تتمكنوا من الاطلاع عليها مُباشرة عبر صفحات موقعنا، أو تقوموا بطباعتها على أوراق، أو حتى مشاركتها مع الزملاء من الخطباء والأئمة وطلبة العِلم على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وبرامج المراسلة والمجموعات وتداول الملفات.


شارك عبر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error:
Scroll to Top