في مدينة مايسن.. بهاء الخزف وأكثر

في مدينة مايسن Meissen.. بهاء الخزف وأكثر

قصة بدأت منذ ثلاثة قرون في قلب مدينة مايسن الألمانية عندما شهدت أول ميلاد للخزف الصيني في أوروبا والذي لا يزال يبهر العالم كله بدقته وحرفية ومهارة صانعيه، فأصبحت المدينة القديمة قبلة كل محبي اقتناء الجمال.

لم يكن أمير مقاطعة ساكسونيا بشرق ألمانيا يدرك أن شغفه وحبه لاقتناء الخزف الصيني سوف يجعل من مدينة مايسن التابعة للمقاطعة أكبر اسم في صناعة البورسلين على مستوى أوروبا بأكملها، ويحولها إلى مزار سياحي يتوجه إليه كل محبي وجامعي الفنون والأناقة والجمال في العالم؛ فبعد أن كان هذا المنتج يأتي إلى أوروبا من الصين فقط بأسعار باهظة منذ القرن الثالث عشر، أمر الأمير فريدرش أغسطس بمحاولة البحث عن أسرار صناعة هذه الخامة العجيبة، وبالفعل توصل الباحثون لكشفها مع أوائل القرن الثامن عشر، وتم إنشاء أول مصنع للخزف المحلى في المدينة في قصر ألبريشتسبرج وظل هناك لمدة 150 عامًا قبل نقله إلى موقع جديد للإنتاج بمايسن، ولكن يظل المقر القديم محتفظًا بأهميته كمزار.

الآن بمجرد ذكر اسم مدينة مايسن تقفز إلى الذاكرة فورًا صورة البورسلين رفيع المستوى الذي أبهر العالم والذي يحمل علامة سيفين متداخلين باللون الأزرق ممهورة باسم مايسن. فهنا يسكن منذ العام 1710 أي منذ حوالي 300 عام أكبر مصنع لصناعة البورسلين على مستوى أوروبا الذي تصل شهرته للعالم أجمع، والذي جعل من مايسن مدينة خاصة تكاد هي نفسها تشبه تمثالاً كبيرًا من الخزف الذي صنع شهرتها.

تطورت مايسن لتصبح رمزًا للرفاهية والثراء بإبداعاتها المشبعة بالتراث والجمال والتي تتجاوز التصميم الوظيفي البحت بكثير. لذلك نجحت مايسن في صنع اسم من أكبر الأسماء في صناعة الخزف في العالم وجمعت كنزًا من الأشكال والأنماط المميزة عبر العصور امتلأت بها قصور ومنازل وفنادق الملوك والمشاهير والطبقات الأرستقراطية عبر القرون؛ فالجودة الصارمة وتطبيقها بأولوية قصوى هو ما صنع هذه الأسطورة وجعل امتلاك تصميمات مايسن عند البعض نوعًا من الاستثمار يوازي في قيمته تمامًا الذهب أو العقارات.

والدليل هو المتحف المقام في المصنع القديم والذي يزوره سَنَوِيًّا أكثر من 30 ألف زائر من جميع أنحاء العالم، وكذلك المزادات التي تقام لقطع تبرز براعة صانعيها منقطعة النظير.

روائع خالدة بدأت في القرن الثامن عشر بمزهريات وتماثيل من أنماط الروكوكو والباروك، ثم لاحقًا في القرن التاسع عشر ظهرت مجموعات جديدة في خط الإنتاج تعكس تنوع الثقافات وتحمل بصمات آسيوية أو شرقية “الليالي العربية”. وفي القرن العشرين تم إضافة منتجات تتبع النمط الكلاسيكي الحديث تحمل بصمات الآرت نوفو.

وعلى الرغم من مرور الزمن لم تتغير أبدًا طريقة العمل منذ قرون، فبعد إنتاج المواد الخام اللازمة على يد الخبراء المتخصصين، تمر التماثيل والأواني والمنحوتات الأخرى بجميع أنماطها بمراحل عديدة تحت إشراف مستمر في عملية شاقة للصقل تستغرق عدة أشهر. ويقوم بهذا العمل فنيون وفنانون يتم تدريبهم لأكثر من ثلاث سنوات، بالإضافة للخبرات المتراكمة منذ عقود والتي تتداولها أجيال العاملين في المكان، ومع الخبرة يبدأ كل فنان في وضع لمسة لأسلوبه الخاص على القطع الخزفية دون الابتعاد عن الخط الرئيسي الذي تميزت به منتجات مايسن.

ومع كل ذلك يوجد احتمال ضعيف لوجود خطأ طفيف من وقت لآخر لا يمكن ملاحظته من المشترين ولكن مثل هذه القطع تراقب جيدًا من جانب منظومة الجودة ولا تخرج أبدًا للجمهور. فمايسن لا يعتبر مجرد مصنع للمنتجات الخزفية، بل هو جسر بين الثقافات والأزمنة عن طريق صناعة التراث المتنوع بمنتهى الجودة والرقى والحفاظ عليه لتتوارثه الأجيال في كل مكان.

وقد بدأت تواجه بعض الصعوبات نتيجة لعدة عوامل منها الحروب والأزمات الاقتصادية العالمية المتزايدة وارتفاع أسعار الخامات التي جعلت من امتلاك منتجات مايسن التي كانت في الأساس في متناول يد طبقة محددة من العملاء المميزين، أكثر محدودية عن ذي قبل بسبب ارتفاع أسعارها بشكل فلكي.

وهذا الوضع جعل القائمين عليها يبحثون عن حلول للحفاظ على كيانها وتاريخها، فكان البحث عن حلول مختلفة؛ أولا لتقليل النفقات، منها فتح خط إنتاج في دول أخرى مثل الصين حيث ثمن التكلفة أقل، ولاجتذاب شريحة أخرى من الطبقة المتوسطة وتشجيعهم على اقتناء منتجات مايسن عن طريق منتجات جديدة بالجودة نفسها ولكنها مصنعة بشكل تجارى مما يتيح انخفاض السعر بعض الشيء.

من خلال تصميمات حديثة لمايسن جنبًا إلى جنب مع القطع الكلاسيكية الخالدة التي ما زالت الشركة تنتجها وتحافظ على تكرارها في محاولات للبقاء والاستمرار رغم التحديات التي أصبحت تهدد هذه الصناعة في إحدى أهم قلاعها في العالم.

لديّ بعض المقترحات الأُخرى كذلك:

أضف تعليق

error: