بأي ذنب يُقتل الإنسان؟

بأي ذنب يُقتل الإنسان؟

لقد خلق الله تبارك وتعالى الإنسان في أحسن تقويم، وأبدعه وأعدله تسوية، وأحكمه تركيبا: {ولقد كرمنا بني آدم} فخلق الله الإنسان وسواه ونفخ فيه من روحه وجعل له بداية وقدر له نهاية، فأعظم الإثم أن يعتدي معتد فيهدم جسد الإنسان ويستلب روحه ويهدر دمه كائنا من كان.

فكيف إذا كان المعتدى عليه مسلما قد لهج لسانه بالشهادتين واطمأن قلبه بالوحيين، وذلت جوارحه لأحكام الدين، فإن العدوان عليه أشد خطرا ووزرا؛ ولذا كانت حرمته أشد من حرمة الكعبة: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم» — رواه الترمذي.

وقال تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} وعيد شديد لا يحتاج إلى شرح أو تعقيب.

إن الذين يسترخصوا الدماء ويستسهلوا الاعتداء، إما لطمع دنيوي، أو لتأويل ديني، أو لدافع عنصري أو قبلي، أو لحراك سياسي، أو لجاهلية، أو لإخفاء الجريمة، أو إدعاء لصون العرض، أو لفاقة وجوع، لضعف الدين في النفوس وبقايا جاهلية في العقول.

ولقد تأملنا ما حدث في الجاهلية، فمن أجل ناقة البسوس امتدت حرب بين العرب لعقود وذهبت كثير من الأرواح، وهدرت الدماء بين الأوس والخزرج بسبب بيت من الشعر أو كلمة، وقد قال قائلهم: «وأمر الحرب مبدؤه كلام…»

فكلما خبت أنوار العلم في أمه وتضاءل الدين في نفوس الأفراد ازداد القتل لأتفه الأسباب؛ فهذا يقتل والدته لأنها لم تعطه مالا لشراب المسكر أو المخدر والمفتر، وهذا يقتل زوجته لأنها غضبت وصدرت منها كلمات أزعجته، وهذا يقتل شقيقته لأنه شك في تصرفاتها، وآخر يقتل شخصا لأنه نظر إليه أو آذاه بصوت سيارته، وأخرى تطلب إلى ولدها أن يقتل زوجة أبيه حتى يهنأ لها الزوج، وغيرها من الحروب بين الحاكم والمحكوم مثلما يحدث في ليبيا وغيرها. قال تعالى: {ومن أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا}.

لقد توالت النصوص وتتابعت التشريعات تحفظ دم الإنسان وروحه وحقه في الحياة مسلما كان أم كافرا، ففي الحديث: «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً» — رواه أبوداود، وحديث ابن عمر – رضي الله عنهما – مرفوعا: «لن يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب حراما» — رواه البخاري.

وأول ما يقضى بين الناس في الدماء، ومن أكبر الكبائر بعد الشرك بالله قتل النفس التي حرم الله.

والله عز وجل قد اختص بهذه النفس، فلا يملك الإنسان أن يعتدي على نفسه أو يزهق روحه بالانتحار والإيذاء؛ لأن جسده وروحه أمانة عنده يحرسها حتى تستوفي أجلها، فمن حاول الاعتداء على نفسه عوقب وإن مات فوعيده في الآخرة، قال جندب بن عبدالله: أن النبي ﷺ قال: «كان برجل جراح فقتل نفسه، فقال الله: بدرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة» — رواه البخاري، وشهد النبي ﷺ لقاتل نفسه بالنار مع أنه كان يجاهد مع المسلمين، لكنه جزع من جراحه.

فالذي يحاول الانتحار إما لبلاء أصابه أو محنة نزلت به أو بطالة أو مشكلة أو لأمراض نفسية أو ابتلى بالمخدرات وأدت إلى اليأس والإحباط؛ فعليه أن يلجأ إلى ربه الرحيم الودود  فارج الهم.

وكذلك المرأة التي تجهض وليدها، أو الذي يدعو على نفسه، أو يعاقب الأجير من العمال حتى الموت، أو الخادمة التي تنتقم من أهل البيت بقتل أبنائهم بالسم، فالقاتل يقتل ولا مسوّغ للجدال فيه {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} وهذا الذي يعذب السجين حتى الموت بحجة أنه يأخذ منه المعلومات؛ فهؤلاء تطبق عليهم أحكام القصاص.

وأيضا المتأول والمغرور به والجاهل الذي يعتدي على دماء المستأمنين فيطلق رصاصه هنا ويفجر عبوة هناك؛ فهذا يقع عليه العقاب والقصاص؛ لأنه مفسد في الأرض ويقتل إنسانا بغير وجه حق، ففي الحديث: «من خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهد فليس مني ولست منه» — أخرجه مسلم.

وللأسف فإن هناك من الآباء من يحرض أبناءه على قبائل أخرى، أو التعالي على أسر وعوائل، وبذر الجاهلية في نفوسهم وشحن صدورهم لصراعات قديمة ضد الحاضرة والبادية، ففي الحديث: «من قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهلية» — أخرجه مسلم. وحديث: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» — رواه البخاري.

وآن الأوان لنربي أبناءنا على التسامح والحلم وكظم الغيظ وزيادة المحبة والألفة والشعور بالانتماء لهذه الأمة العظيمة: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون}.

وقد قال رسول الله ﷺ «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يصب دما حراما» — صحيح البخاري.

نسأل الله العظيم أن يحقن دماء المسلمين في كل مكان ويبدلهم بعد خوفهم أمنا، ويولي عليهم خيارهم، ويجمع كلمتهم، ويصلح ذات بينهم، ويجعلهم إخوة متحابين على سرور متقابلين، والحمد لله رب العالمين.

بقلم: د.بسام خضر الشطي

أضف تعليق

error: