إبراهيم ابن أبي عبلة

‌‌إبراهيم ابن أبي عبلة

نتعرَّف اليوم على ‌إبراهيم ابن أبي عبلة. أبو إسحاق، وقيل: أبو إسماعيل. قيل: إنه عقيلي من بني عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وقد قيل: إنه تميمي، فالله أعلم.

واسم أبي عبلة شمر بن يقظان بن المرتحل، هو معدود في التابعين.

رأى ابن عمر، وأدرك أنس بن مالك، وأبا أمامة، وربيب عبادة بن الصامت أبا أبي ابن أم حرام، وروى عنهم، واختلف في سماعه من واثلة بن الأسقع.

سكن الشام، وعمر طويلا، ومات في خلافة أبي جعفر سنة إحدى أو اثنتين وخمسين ومئة.

وكان ثقة فاضلا، له أدب ومعرفة، وكان يقول الشعر الحسن.

وكان مسكنه بالشام الرملة. روى عنه جماعة جلة: مالك، والليث، ويونس بن يزيد، وبكر بن مضر.

لمالك عنه في “الموطأ” من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديث واحد مرسل وهو:

مالك، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذلك إلا لما رأى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما رأى يوم بدر”. قيل: وما رأى يوم بدر يا رسول الله؟ فقال: “أما إنه قد رأى جبريل يزع الملائكة”.

قال أبو عمر: هكذا هذا الحديث في “الموطأ” عند جماعة الرواة له عن مالك.

ورواه أبو النضر إسماعيل بن إبراهيم العجلي، عن مالك، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، عن أبيه. ولم يقل في هذا الحديث: “عن أبيه” غيره، وليس بشيء.

وطلحة بن عبيد الله بن كريز هذا خزاعي من أنفسهم، تابعي مدني ثقة، سمع ابن عمر وغيره، وقال البخاري: طلحة بن عبيد الله بن كريز الكعبي المدني، سمع أم الدرداء.

قال أبو عمر: هذا حديث حسن في فضل شهود ذلك الموقف المبارك.

وفيه دليل على الترغيب في الحج، ومعنى هذا الحديث محفوظ من وجوه كثيرة. وفيه دليل على أن كل من شهد تلك المشاهد يغفر الله له إن شاء الله.

وفيه أن شهود بدر أفضل من كل عمل يعمله الإنسان بعده إلى يوم القيامة، نفلا كان أو فرضا؛ لأن هذا القول كان منه -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع.

وفيه الخبر عن حسد إبليس وعداوته لعنه الله.

وفيه دليل على أن الحسود يجد في نفسه ذلة لعدمه ما أوتيه المحسود.

وأما قوله: “أصغر، وأحقر، وأغيظ”. فمستغن عن التفسير لوضوح معاني ذلك عند العامة والخاصة.

وأما قوله: “أدحر”. فمعناه أبعد من الخير وأهون، والأدحر: المطرود المبعد من الخير المهان، يقال: ادحره عنك؛ أي: اطرده وأبعده.

وأما قوله: “يزع الملائكة”. فقال أهل اللغة: معنى يزع: يكف ويمنع. إلا أنها هاهنا بمعنى يعبئهم ويرتبهم للقتال ويصفهم، وفيه معنى الكف؛ لأنه يمنعهم عن الكلام من أن يشف بعضهم على بعض، ويخرج بعضهم عن بعض في الترتيب.

قالوا: ومنه قول الله عز وجل: {وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون} [النمل: 17]. وقد تكني العرب بهذه اللفظة عن الموعظة؛ لما فيها من معنى الكف والمنع والردع والزجر، قال النابغة الذبياني:

على حين عاتبت المشيب على الصبا … وقلت ألما أصح والشيب وازع

وقال لبيد العامري:

إذا المرء أسرى ليلة ظن أنه … قضى عملا والمرء ما عاش عامل

فقولا له إن كان يعقل أمره … ألما يزعك الدهر أمك هابل

وقال المعلوط السعدي:

ولما تلاقينا جرت من جفوننا … دموع وزعنا غربها بالأصابع

وقال آخر:

وقد لاح في عارضيك المشيب … ومثلك بالشيب قد يوزع

وقال آخر:

ولا يزع النفس اللجوج عن الهوى … من الناس إلا وافر العقل كامله

وقال آخر:

امنع فؤادك أن يميل بك الهوى … واشدد يديك بحبل دينك واتزع

وروى محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: لما وقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذي طوى، يعني يوم الفتح، قال أبو قحافة – وقد كف يومئذ بصره – لابنته: اظهري بي على أبي قبيس. قالت: فأشرفت به عليه. فقال: ما ترين؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا. قال: تلك الخيل. قالت: وأرى رجلا بين السواد مقبلا ومدبرا. قال: ذلك الوازع يمنعها أن تنتشر، وذكر تمام الحديث.

وأخبرنا إبراهيم بن شاكر، قال: حدثنا محمد بن إسحاق القاضي، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن أبي الأصبغ الإمام بمصر، قال: حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج، قال: حدثنا أبو زيد بن أبي الغمر، قال: حدثنا ابن القاسم، قال: حدثنا مالك، أن عثمان بن عفان كان يقول: ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن. أي: من الناس. قال: قلت لمالك: ما يزع؟ قال: يكف.

وذكر الحسن بن علي الحلواني في كتاب “المعرفة” له، قال: حدثنا عفان، قال: أخبرنا إسماعيل، يعني ابن علية، عن ابن عون، قال: سمعت الحسن وهو في مجلس قضائه، فلما رأى ما يصنع الناس قال: والله، ما يصلح هؤلاء الناس إلا وزعة. قال إسماعيل: يزعونهم؛ أي: يمنعونهم.

ومنه الحديث الذي حدثني أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي، أن أباه حدثه، قال: حدثنا عبد الله بن يونس، قال: حدثنا بقي بن مخلد، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: أخبرنا حسين بن محمد، قال: حدثنا جرير بن حازم عن نافع، عن ابن عمر، أنه رأى رؤيا؛ كأن ملكا انطلق به إلى النار، فلقيه ملك آخر وهو يزعه، فقال: لم تزع هذا؟ نعم الرجل لو كان يصلي من الليل. قال: فكان بعد ذلك يطيل الصلاة بالليل.

ومنه الحديث الذي يروى عن أبي بكر الصديق إن صح عنه أنه قال: لا أقيد من وزعة الله. قال ذاك في بعض عماله.

وقد رويت آثار في معنى حديث إبراهيم بن أبي عبلة هذا في يوم عرفة، أنا ذاكر منها ما حضرني ذكره بحسن عون ربي، لا إله إلا هو.

حدثنا أبو القاسم أحمد بن فتح، قال: حدثنا حمزة بن محمد الحافظ بمصر، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس، قال: حدثنا أحمد بن عيسى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثنا مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن يونس، وهو ابن يوسف، عن سعيد بن المسيب، قال: قالت عائشة: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “ما من يوم يعتق الله فيه أكثر من يوم عرفة”.

وأخبرنا أحمد بن فتح بن عبد الله، قال: حدثنا حمزة الكناني، قال: حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي، قال: حدثنا عيسى بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن يونس، وهو ابن يوسف، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة، قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة”.

وهذا يدل على أنهم مغفور لهم؛ لأنه لا يباهي بأهل الخطايا والذنوب إلا من بعد التوبة والغفران، والله أعلم.

وروى ابن المبارك، عن أبي بكر بن عثمان، قال: حدثني أبو عقيل، عن عائشة، قالت: يوم عرفة يوم المباهاة. قيل لها: وما يوم المباهاة؟ قالت: ينزل الله يوم عرفة إلى السماء الدنيا، ثم يدعو ملائكته، ويقول: انظروا إلى عبادي شعثا غبرا، بعثت إليهم رسولا فآمنوا به، وبعثت إليهم كتابا فآمنوا به، يأتونني من كل فج عميق، يسألوني أن أعتقهم من النار، فقد أعتقتهم. فلم ير يوم أكثر أن يعتق فيه من النار من يوم عرفة.

حدثنا يعيش بن سعيد الوراق وعبد الوارث بن سفيان، قالا: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا مرزوق مولى طلحة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: “إذا كان يوم عرفة؛ ينزل الله إلى السماء الدنيا، يباهي بهم الملائكة، فيقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبرا من كل فج عميق، أشهدكم أني قد غفرت لهم. فتقول الملائكة: يا رب، فلان وفلان مرهق. قال: فيقول: قد غفرت لهم”. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “فما من يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة”.

وروى ابن جريج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “المغفرة تنزل على أهل عرفة مع الحركة الأولى، فإذا كانت الدفعة العظمى، فعند ذلك يضع إبليس التراب على رأسه، يدعو بالويل والثبور”. قال: “فيجتمع إليه شياطينه، فيقولون: ما لك؟ فيقول: قوم فتنتهم منذ ستين وسبعين سنة؛ غفر لهم في طرفة عين”.

وقال مجاهد: كانوا يرون أن الرحمة تنزل عند دفعة الإمام عشية عرفة.

أخبرنا أبو محمد قاسم بن محمد، قال: حدثنا خالد بن سعد، قال: حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور. وحدثنا أبو عبد الله عبيد بن محمد، قال: أخبرنا عبد الله بن مسرور، قال: أخبرنا عيسى بن مسكين، قالا: حدثنا محمد بن سنجر، قال: حدثنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء؛ يقول لهم: انظروا إلى عبادي، جاؤوني شعثا غبرا، أشهدكم أني قد غفرت لهم”.

أخبرنا عبيد بن محمد، قال: حدثنا عبد الله بن مسرور، قال: حدثنا عيسى بن مسكين، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر الجرجاني. وأخبرنا سلمة بن سعيد ومحمد بن خليفة، قالا: حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا الحسن بن الحباب أبو علي المقرئ، قال: حدثنا الحسن بن عرفة، قالا: حدثنا هشام بن عبد الملك الطيالسي، قال: حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي، قال: حدثني ابن لكنانة بن عباس بن مرداس، عن أبيه، عن جده عباس بن مرداس، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة فأكثر الدعاء، فأجابه الله إني قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضا، فأما ذنوبهم بيني وبينهم فقد غفرتها لهم. فقال: “أي رب، إنك قادر أن تثيب هذا المظلوم خيرا من مظلمته وتغفر لهذا الظالم”. قال: فلم يجبه تلك العشية، فلما كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء، فأجابه أني قد غفرت لهم. قال: ثم تبسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال له أصحابه: يا رسول الله، تبسمت في ساعة لم تكن تتبسم فيها؟ قال: “تبسمت من عدو الله إبليس؛ لما عرف أنه قد استجاب الله لي في أمتي، أهوى يدعو بالويل والثبور، ويحثي التراب على رأسه”.

حدثنا أبو عثمان سعيد بن سيد، قال: حدثنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن أبي عيسى، قال: حدثنا أبو عثمان سعيد بن فحلون، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبيد البصري، قال: حدثنا ابن أبي الشوارب القرشي الأموي، قال: أخبرنا عبد القاهر بن السري السلمي، قال: حدثنا ابن لكنانة بن عباس بن مرداس السلمي، عن أبيه، عن جده، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة، فأجابه الله أني قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضا. فلما كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء، فقال: “يا رب، إنك قادر أن تثيب المظلوم خيرا من مظلمته، وتعفو عن الظالم”. فأجابه الله أني قد فعلت. ثم التفت إلينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متبسما، فقلنا: يا رسول الله، ما الذي أضحكك؟ قال: “إن إبليس عدو الله لما علم أن الله عز وجل قد شفعني في أمتي، أهوى يدعو بالويل والثبور، ويحثو التراب على رأسه”.

وروى مسلم بن إبراهيم، قال: أخبرنا كعب بن فروخ الرقاشي، قال: حدثنا قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ليس يوم أكثر عتيقا من يوم عرفة. هكذا ذكره موقوفا.

وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن وهب المسعري، قال: حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، قال: حدثنا سلمة بن بخت، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إن يوم عرفة يوم يباهي الله ملائكته في السماء بأهل الأرض؛ يقول تبارك وتعالى: عبادي جاؤوني شعثا غبرا، آمنوا بي ولم يروني، وعزتي، لأغفرن لهم. وهو يوم الحج الأكبر.

قال أبو عمر: اختلف في تأويل قول الله عز وجل: {يوم الحج الأكبر} [التوبة: 3]. فقيل: يوم عرفة. وقيل: يوم النحر؛ قال بهذا جماعة، وبهذا جماعة.

روي من حديث عمرو بن مرة، عن مرة بن شراحيل، عن رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمزدلفة غداة يوم النحر على ناقة حمراء، فقال: “هل تدرون أي يوم هذا؟ هذا يوم الحج الأكبر”. رواه شعبة وغيره، عن عمرو بن مرة.

ومن حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، قال: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن يوم الحج الأكبر، فقال: “يوم النحر”.

وروى جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير: الحج الأكبر يوم النحر.

وروى عاصم بن حكيم، عن مجاهد في يوم الحج الأكبر، قال: حين الحج، أيامه كلها. وابن جريج، عن مجاهد، مثله.

وقال معمر، عن الحسن: إنما سمي الحج الأكبر؛ لأنه حج فيه أبو بكر، ونبذت فيه العهود.

وقال ابن جريج، عن ابن طاووس، عن أبيه، أنه قيل له: ما الحج الأكبر؟ قال: يوم عرفة، وهو اليوم الأكبر؛ عرفة.

قال أبو عمر: روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “يوم الحج الأكبر يوم عرفة”. وهو قول ابن عباس وطاووس.

وروي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “يوم الحج الأكبر يوم النحر”. من حديث علي، وأبي هريرة، وابن عمر، ورجل من أصحاب النبي عليه السلام.

ولا خلاف عن مالك وأصحابه أن يوم الحج الأكبر يوم النحر.

واختلف أصحاب الشافعي في ذلك؛ فقالت طائفة منهم: يوم الحج الأكبر يوم عرفة. وقال بعضهم: يوم النحر.

وكذلك اختلف أصحاب أبي حنيفة، وليس عنه شيء منصوص.

وذكر الثوري في “جامعه” في يوم الحج الأكبر، قال: حدثنا ليث، عن مجاهد، قال: الحج الأكبر يوم النحر، والحج الأصغر العمرة.

أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف، قال: حدثنا يحيى بن مالك، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن زبر، قال: حدثنا محمد بن خريم، قال: حدثنا أبو عبد الغني الحسن بن علي، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إذا كان يوم عرفة غفر الله للحاج الخلص، وإذا كانت ليلة مزدلفة غفر الله للتجار، وإذا كان يوم منى غفر الله للجمالين، وإذا كان عند جمرة العقبة غفر الله للسؤال، ولا يشهد ذلك الموقف خلق ممن قال: لا إله إلا الله، إلا غفر له”.

وحدثنا خلف بن قاسم، قال: حدثنا علي بن الحسين بن بندار، قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز بن مروان، قال: سمعت الحسن بن علي بن معان الصنعاني، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “إذا كان يوم عرفة”. وذكر الحديث مثله سواء.

وحدثنا خلف بن قاسم، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن أحمد القاضي وعلي بن محمد بن إسماعيل الطوسي بمكة، قالا: حدثنا محمد بن خريم، قال: حدثنا أبو عبد الغني الحسن بن علي، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إذا كان يوم عرفة غفر الله للحاج الخالص، وإذا كان ليلة المزدلفة غفر الله للتجار، وإذا كان يوم منى غفر الله للجمالين، وإذا كان عند جمرة العقبة غفر الله للسؤال، ولا يشهد ذلك الموقف خلق ممن قال: لا إله إلا الله إلا غفر له”.

قال أبو عمر: هذا حديث غريب من حديث مالك، وليس محفوظا عنه إلا من هذا الوجه، وأبو عبد الغني لا أعرفه، وأهل العلم ما زالوا يسامحون أنفسهم في رواية الرغائب والفضائل عن كل أحد، وإنما كانوا يتشددون في أحاديث الأحكام.

أخبرنا علي بن إبراهيم، قال: حدثنا الحسن بن رشيق، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، قال: حدثنا محمد بن عمرو الغزي، قال: حدثنا عطاف بن خالد المخزومي، عن إسماعيل بن رافع، عن أنس بن مالك، قال: كنت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مسجد الخيف قاعدا، فأتاه رجل من الأنصار ورجل من ثقيف. فذكر حديثا فيه طول، وفيه: “وأما وقوفك عشية عرفة فإن الله يهبط إلى سماء الدنيا، ثم يباهي بكم الملائكة فيقول: هؤلاء عبادي؛ جاءوني شعثا غبرا سفعا، يرجون رحمتي ومغفرتي، فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل، وكعدد القطر، وكزبد البحر لغفرتها، أفيضوا عبادي مغفورا لكم، ولمن شفعتم له”. وذكر تمام الحديث.

وأخبرنا علي بن إبراهيم بن أحمد بن حموية، قال: حدثنا الحسن بن رشيق، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن خالد البرذعي بمكة سنة ثلاث مئة، قال: حدثنا علي بن موفق البغدادي، قال: حدثنا شبوية المروزي، قال: حدثنا ابن المبارك، عن سفيان الثوري، عن الزبير بن عدي، عن أنس بن مالك، قال: وقف النبي -صلى الله عليه وسلم- بعرفات وكادت الشمس أن تؤوب، فقال: “يا بلال، أنصت لي الناس”. فقام بلال فقال: أنصتوا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فنصت الناس، فقال: “معاشر الناس، أتاني جبريل آنفا، فأقرأني من ربي السلام، وقال: إن الله غفر لأهل عرفات، وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات”. فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، هذا لنا خاص؟ فقال: “هذا لكم ولمن أتى بعدكم إلى يوم القيامة”. فقال عمر رضي الله عنه: كثر خير الله وطاب.

وروي عن سالم بن عبد الله بن عمر، أنه رأى سائلا يسأل يوم عرفة، فقال: يا عاجز، في هذا اليوم تسأل غير الله؟!

وذكر المدائني، قال: خطب عمر بن عبد العزيز بعرفة، فقال: إنكم قد جئتم من القريب والبعيد، وانضيتم الظهر، وأخلقتم الثياب، وليس السابق اليوم من سبقت دابته وراحلته، وإنما السابق اليوم من غفر له.

وروى سفيان، عن داود بن أبي هند، عن ابن سيرين، قال: كانوا يرجون في ذلك الموقف حتى للحمل في بطن أمه.

واقرأ هنا عن: تعريف السلف لغة واصطلاحا


المصدر: كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد في حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لابن عبد البر.

أضف تعليق

error: