في عيد الأم “الأم في عيون الشعراء”

صورة , عيد الأم , هدايا للأم , كلمات , يوم الأم

لطالما كان الحديث عن الأم وحبها لأبنائها وعطائها المنقطع النظير مادة خصبة للشعر والنثر فلم يكد يخلو تاريخ شاعر أو مشواره الإبداعي من الحديث عنها، ولا ينهي رحلته الأدبية دون أن يتطرق لعالمها الرائع، بوصف حبها له أو وصف حبه هو وتقديره لقيمتها وقيمة وجودها في حياته، أو حجم تضحياتها لأجله أو متاعبها في سبيل توفير الراحة له ولإخوته.

ما هي رؤية الشعراء في التعبير عن الأم؟

يتفاوت تعبير الشعراء عن رؤيتهم للأم ومنطقهم في فلسفة العلاقة الاستثنائية التي تربط بين الابن والأم برباط خالد، لا يعتريه الفتور ولا تنال منه العادة، ولا يضعفه القدم، وهنا سنقدم محاولة متواضعة للبحث عن صورة الأم في عيون الشعراء وكيف تنافسوا في وصفها وكيف اجتهدوا في تصوير أروع وأقوى الصور البلاغية لكي يوصلوا رسالتهم ويقربوا للعالم أفكارهم، مسترشدين في ذلك ببعض النماذج الأدبية الرائعة والتي حفرت سطورها في كتاب التاريخ لتظل شاهدة على أصدق وثائق الحب وعهود المودة والرحمة التي عرفتها البشرية، أنه ميثاق الأمومة.

يقول الشاعر كريم معتوق متحدثًا عن الأم وموضحًا عجزه مهما حاول عن وصفها، وأن القوافي تحار في الحديث عنها وتعلن أنها تعجز عن الوفاء بما يليق بها من المعاني:

مــا قــلتُ والله يـا أمـي بـقـافــيـةٍ إلا وكـان مــقـامـًا فــوقَ مـا أصـفُ
يَخضرُّ حقلُ حروفي حين يحملها غـيـمٌ لأمي علـيه الطـيـبُ يُـقتـطفُ
والأمُ مـدرسـةٌ قـالوا وقـلتُ بـهـا كـل الـمدارسِ سـاحـاتٌ لـها تـقـفُ

ويرى أن الأم مدرسة تعلم الأبناء وتترك لهم من دروس الحياة ما تعجز عن إعطائه كل مدراس العالم، وتؤثر فيهم كما لا يؤثر غيرها فصلاحهم بعض صلاحها وفسادهم واعوجاجهم ينتج عن اعوجاج فيها.

أما تناول الشاعر القدير أحمد شوقي لقصة الحب المطلق الذي تحمله الأم لابنها، والتي غالبًا ما يقابل بالنكران وسوء الرد، فهو تناول غير تقليدي، ووصف فاق حدود البلاغة والفصاحة، حيث ساق سردًا قصيرًا يختصر القصة في تفاصيل موجعة لأبعد الحدود، تفاصيل من الحب الأمومي الذي لا يعترف بأي منطق، والنكران والجحود الصادم الذي لا يخضع لقوانين العدل ولا يلزم مواثيق العرفان، فكتب قصيدة من أروع ما قيل عن الأم وجحود الابن، وكان مطلعها تلك الأبيات:

أغرى امرؤٌ يوماً غُلاماً جاهلاً
بنقوده حتى ينال به الوطرْ
قال: ائتني بفؤادِ أمك يا فتى
ولك الدراهمُ والجواهر والدررْ
فمضى وأغرز خنجراً في صدرها
والقلبُ أخرجهُ وعاد على الأثرْ
لكنه من فرطِ سُرعته هوى
فتدحرج القلبُ المُعَفَّرُ إذا عثرْ
ناداه قلبُ الأمِ وهو مُعفرٌ:
ولدي، حبيبي، هل أصابك من ضررْ؟

أما أبو العلاء المعري فقد كان تركيزه منصبًا على التذكير بفضل الأم وما لاقته من المشقة والعنت في حملها وارضاعها للطفل، وغيرها من المشقات التي لا تنتهي، والحث على إكرامها وإنزالها المنزلة التي تستحقها من التقدير والإعزاز فقال في كلمات موجزة، قصيرة المبنى عميقة المعنى:

العيش ماضٍ فأكرم والديك به
والأمّ أولى بإكرامٍ وإحسان
وحسبها الحمل والإرضاع تدمنه
أمران بالفضل نالا كلّ إنسان

وعلى نفس الطريق التي انتهجها أبو العلاء المعري سار الشاعر “معروف الرصافي” الذي أعلى قيمة إكرام الأم واعتبر إكرامها وبرها من أهم الواجبات على كل انسان، وعزز دعوته بما ساقه من صور التعب والمعاناة التي حازتها الأمهات في سبيل القيام بمسؤوليات الأمومة، مذكرًا إيانا بأيادي المعروف والكرم التي طالت كل اسان بفضل أمه، وفي هذا المضمار يقول:

أوجب الواجبات إكرام أمي
إن أمي أحق بالإكرام
حملتني ثقلاً ومن بعد حملي
أرضعتني إلى أوان فطامي
ورعتني في ظلمة الليل حتى
تركت نومها لأجل منامي
فلها الحمد بعد حمدي إلهي
ولها الشكر في مدى الأيام

وعن حقيقة اليتم ومعنى فقدان الأم ومرارته، يقول الشاعر أحمد شوقي بعض أبيات، يصحح فيها مفهوم اليتم ويبين أن من تقصير بعض الأمهات وانشغال بعض الآباء ما يورث الأبناء مشاعر اليتم والحاجة والحرمان من التربية والتوجيه السليم بنفس القدر الذي يورثه اليتم الحقيقي الناشئ عن فقد أحد الأبوين أو كلاهما، فيقول في كلمات تحمل حكمة صائبة وفهما راجحًا للأمومة والأبوة الحقيقية:

ليس اليتيم من انتهى أبواه من.. همّ الحياة وخلّفاه ذليلا
فأصاب بالدنيا الحكيمة منهما.. وبحسن تربية الزمان بديلا
إن اليتيم هو الذي تلقى له.. أماً تخلت أو أباً مشغولا

أما عن الحنين المزمن الذي يعانق فؤاد كل من حرم لقاء الأم وصحبتها، فيقول محمود درويش بعض الأبيات التي يكاد القلب ينفطر تعاطفًا معها وانفعالًا بها، فهو يؤكد أننا حين فتقد الأم يقتلنا الحنين ليس إلى لقائها فقط، بل إلى كل التفاصيل التي كانت تجمعنا بها ذات يوم، وإلى كل الأشياء العابرة التي ارتبطت بها، مثل طقوسها في اليوم وتلك الطريقة التي تعد بها القهوة ونكهة الطعام والشراب التي تعده بيدها، وذلك الحب الذي يفوح عبقه من كل شيء تقدمه لنا، فالحنين للأم التي تعذر لقائها وعز على الانسان الاجتماع بها مرة أخرى بالفعل مزمن وموجع ومفجع! وهذا ما نستشعره بين ثنايا حروف وكلمات الشاعر المتميز جدًا محمود درويش الذي يقول:

أحنّ إلى خبز أمي
وقهوة أمي
ولمسة أمي
وتكبر فيّ الطفولة يوماً
على صدر يوم
وأعشق عمري لأني
إذا متّ،
أخجل من دمع أمي.

وختامًا: فقد كانت تلك محاولة للتجول بين أروقة الشعر وحنايا الشعراء لنعرف كيف كانت الأم وستظل نبع إلهام لا ينضب، ومادة حب لا تنفذ، فالشعر والحب والكلمات جميعها ينحون إعجابًا بكيان الأمومة الرائع الذي يستعصي على التكرار. وفي عيد الأم كل عام وكل الأمهات بخير.

واقرأ هنا: مناسبة عيد الأم بالكامل

أضف تعليق

error: