عوامل نجاح الرسول في دعوته إلى الإسلام

عوامل نجاح الرسول في دعوته

اليوم نتحدَّث عن عوامل نجاح الرسول في دعوته. حول مبدأ عظيم من المبادئ التي تمثلها النبي ﷺ أعظم تمثُّل، بل هي وظيفته الأساس. فالله سبحانه وتعالى جعل مهمة النبي ﷺ هي دعوة الناس إلى الخير.

والموفق من المسلمين هو من يتبين منهاجه عليه الصلاة والسلام ليقتفي هذا المنهاج، ومن ثم ينضم في سلك الداعين إلى الله عز وجل فيكون من الذين ورثوا ميراث النبي ﷺ.

مهمة ووظيفة النبي ﷺ

علينا أن قرر أولا أن هذه هي وظيفة النبي ﷺ. فمن أول ما أنزل على النبي ﷺ قوله عز وجل “يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ | قُمْ فَأَنْذِرْ” ~ سورة المدثر.

ثم، ومع مُضِيّ الوقت، أنزل الله عليه “وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ” ~ سورة الشعراء – الآية ٢١٤.

ثم توالت الآيات التي نزلت على النبي ﷺ، بأن مهمتك يا محمد هي إبلاغ الناس دين الله عز وجل، أو هي دعوتك الناس إلى الله سبحانه وتعالى.

ولذلك فإن من عوامل نجاح الرسول في دعوته هو معرفته ﷺ بمهام ما كُلِّفَ به. فقد جاء في بعض الآيات “إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ” ~ سورة الشورى – الآية ٤٨.

وفي آيةٍ أخرى “لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ” ~ سورة البقرة – الآية ٢٧٢.

واستمر النبي ﷺ بهذه الدعوة، وبقوله وفعله وبجميع الوسائل في وقته، ودعا بها الآخرين.

واستمر حتى بلغ دين الله، وأشهد الناس على ذلك، كما في حجة الوداع عندما خطب الناس عليه الصلاة والسلام في عرفات، في يوم عرفة، في حجة الوداع، حتى قال: اللهم هل بلغت. وينظر إلى الناس وهو يشير بأصبعه. قالوا: نعم. قال: اللهم فاشهد. ويشير بأصبعه عليه الصلاة والسلام إلى السماء.

فقد بلَّغ رسالة ربه، وأدى الأمانة التي كانت عليه.

حينئذ، عندما سمع أبو بكر الصديق رضي الله عنه -وهو العالم بأحوال النبي ﷺ- انكب على وجهه وأخذ يبكي، وعرف أن الرسول ﷺ أدى الأمانة وبلَّغ الرسالة، وأن أجله قد قرُب عليه الصلاة والسلام.

الناس تعجبت من أبي بكر الصديق رضي الله عنه في فعله، لكنه كان لمعرفته بأحوال النبي ﷺ، فعمِلَ مثل هذا العمل.

الشاهد هنا أن الرسول ﷺ قام بمهمته الحقيقية، وهي الدعوة إلى الله عز وجل.

والمسلم هنا عليه أن يتبين منهج النبي ﷺ في هذه الدعوة. ولها معالم:

الدعوة إلى الله هي الغاية

أول المعالم هنا، أن يدرك أن الدعوة إلى الله هي الغاية. وليس أن يستجيب الناس لهذه الغاية. وإنما الغاية “الهدف” أن يدعو الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى.

والهدف من هذا هو يبلغ الناس بأن يعبدوا ربهم. لأن الله سبحانه وتعالى بيَّن أن الخلق ما خُلقوا إلا لعبادة الله عز وجل. “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” ~ سورة الذاريات – الآية ٥٦.

“وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ” ~ سورة النحل – الآية ٣٦.

إذًا، فالغاية هي الدعوة إلى عبادة الله وحده سبحانه وتعالى.

من المهم جدًا أن يبقى هذا الأمر واضحًا لدى الداعي إلى الله عز وجل. فإذا اتضح هذا المعلم الكبير، بل هذا المنطلق وهذا الأثاث، حين إذن ستسلم الوسائل والأساليب والمنهاج ويتعامل الإنسان مع نفسه تجاه هذه القيمة العليا وهذه الشعيرة الكبرى بمقتضى ما تعامل به النبي ﷺ.

عوامل نجاح الرسول في دعوته

وربنا جل وعلا أعطانا هذه المعالم. يقول سبحانه وتعالى “وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ” ~ سورة فصلت – الآية ٣٣.

إذًا، فالدعوة أحسن الأقوال والوظائف والأعمال، لأنها ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، والأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر.

وقد بيَّن الله سبحانه وتعالى معالم هذه الدعوة ومعالم أساليبها وعوامل نجاحها. فقال “ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” ~ سورة النحل – الآية ١٢٥”.

حِكمة النبي في الدعوة

كانت هذه هي أحد عوامل نجاح الرسول في دعوته. فالحكمة هي وضع الشيء في موضعه، الحكمة في القول وفي العمل وفي اتخاذ المواقف، وفي اختيار الأساليب وفي قدراتك أنت، وفي المتلقي لهذه الدعوة، وفي الظرف والحال المحيط بها.

وقد كان التخطيط الجيد من عوامل نجاح النبي في دعوته سواءً قبل الهجرة النبوية في مكة أو بعدها في المدينة. الحكمة أيضًا أن تعرِف مقتضى هذا العمل. فتعرِف مع من تخاطب؟ فالصغار غير الكبار، والرجال غير النساء. أن تخاطب المسلمين وغير المسلمين.. إلى غير ذلك.

الموعظة الحسنة في منهج محمد ﷺ

عندما تسمع للواعظ، فأنت تُقبِل على الله من خلال سماعه. لأنه وعظ بالآيات والأدلة والكلام الطيب وبالبشاشة وبإظهار المحبة للآخرين.

بينما قد تسمع لآخر فتنفر منه، لأنه لم يعِظ بالقول الحسن. لكنه يستخدم ألفاظ نابية، أو يستخدم الوعيد الشديد في غير موضعه.

المُجادلةِ بالحُسنى

“وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”. عند الحوار مع غيرك، سواءً كان مسلمًا أو غير مسلم، جادِلهُ باللفظ وبالقول وبالفكرة وبالدليل وبالإقناع.

وهذه هي المجادلة بالتي هي أحسن.

النبي ﷺ تمثَّل هذا المنهج. فقد تتذكَّر قصة الأعرابي الذي بال في المسجد. وقصة الشاب الذي يريد الزنا. تتذكَّر كلامه وحديثه مع الكبار، وسمعنا كثيرًا محادثته للصغار “يا أبا عمير ما فعل النغير”.

وعندما يقول للعجوز “لا يدخل الجنة عجوز” ويضيقُ صدرُها، ثم يخبرها ﷺ أنه ليس بالجنة عجوز.. وهكذا.

المقومات الأساسية للدعوة

هذه الدعوة لها مقومات أساسية، يجب أن يتمثَّلها الداعية:

الدعوة بالعِلم

من أهم المقاومات أنها تكون بالعلم، فلا يدعو الإنسان بدون علم. والعلم جاء عن الله وعن رسوله ﷺ.

وهذا الأمر من بينِ عوامل نجاح الرسول في دعوته. فقد أمر وبيَّن ﷺ أن أهم ما يدعو به الإنسان هو الدعوة بعلم، حتى لا يقع في المحظور.

اتخاذ الأساليب المناسبة

من المقاومات اتخاذ الأساليب المناسبة “كما سبق ذِكره أعلاه”، وأن يتخذ الوسائل.

فالوسائل مع مرور الزمن تتجدد، فعليه أن يستثمرها استثمارًا حقيقيًا.

فليست الدعوة مجرد كلام، بل أيضًا من خلال هذه الأجهزة والأدوات، من خلال العمل الذي يعمله الإنسان.

الترغيب والترهيب

استخدام الترغيب والترهيب في آنٍ واحد في الدعوة. وهذا من المقومات الأساسية للدعوة.

فلا يكُن دورك الترغيب فقط، ومن ثم الناس يتساهلون لما يرون من البشائر العظمى. ولا أيضًا دورك الترهيب فقط، فيكون حينئذٍ أشد. فالناس ييأسون ويقنطون من رحمة الله عز وجل.

الصبر والاحتساب واستشعار الأجر

من أهم المقومات أيضًا، الصبر والاحتساب واستشعار الأجر. فلن تبلغَ المجد حتى تلعَق الصَّبِرا، ولن تبلغ الدرجات العُلا إلا بالصبر.

والله سبحانه وتعالى ذكر الصبر في أكثر من ٩٠ آية في القرآن الكريم.

والنبي ﷺ ما من محنةٍ في الدنيا إلا أخذ نصيبًا منها. ومع ذلك، كان عليه الصلاة والسلام يصبر وعلمنا الصبر.

فإذا كان الأمرُ كذلك، فنستشعر الأجر العظيم، كما قال النبي ﷺ “مَنْ دَعَا إِلَى هُدىً كانَ لهُ مِنَ الأجْر مِثلُ أُجورِ منْ تَبِعهُ لاَ ينْقُصُ ذلكَ مِنْ أُجُورِهِم شَيْئًا” ~ رواهُ مسلمٌ.

كما أن الداعي إلى الضلال يكونُ له مِثل صاحبه بالوِزر من غير أن ينقص من أوزارهم شيء.

فالدعوة إلى الله عز وجل سواء كانت من الكفر إلى الإسلام، أو كانت من الخطأ إلى الصواب، أو من الأمر المرجوح إلى الأمر الراجح، أو من العمل القليل للكثير. كلُّ هذا في باب الدعوة، ويستمر أجر صاحبها.

الإخلاص

نعم، فأحد أهم المقومات هو الإخلاص، الذي نختم به. هذا الأمر لله عز وجل ونظافة القلب وإرادة الخير لهذا الإنسان.
فالإخلاص لا يُقبل العمل إلا به.

وبهذا قد تكون قد وقفتَ على بعضٍ من أهم عوامل نجاح الرسول في دعوته عليه أزكى الصلاة وأتم التسليم. فقد كانت كثيرةً ومُتنوِّعَة. نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا الإخلاص، وأن يرزقنا ثواب العمل. إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

أضف تعليق