مقال عن عيد ميلادي

عيد ميلادي

إن عيد ميلادي حين يحين وقته، يبدأ أهلي في الغالب في إعداد نوعًا من الاحتفال بمناسبة يوم مولدي، وأشعر بالبشر في وجوههم والفرحة في قلوبهم لأني بينهم وقد أصبحت في عمري هذا، ويشعر أصدقائي في تهنئتي في رسائل أو هدايا يفاجئوني بها، وأشعر بأني غير وحيد ومحبوب بين الناس.

لكن ما يلفت انتباهي ويأخذ تركيزي: سؤال مهم، أيجب أن أفرح في يوم عيد مولدي أم أحزن؟ لأن عيد مولدي معناه أني قد كبرت عامًا، أي ذهب عن عمري عام، وأستقبل الآن عامًا جديدًا، ولا أدري أيجب أن أفرح لذلك أم أحزن؟

هذا السؤال يجب أن يتساءله كل إنسان في يوم عيد مولده، هل فعل في أعوامه السابقة ما يجعله يفرح كأصدقائه وأهله بعيد مولده؟ أم ضاع منه العمر في الرفاهية والكسل دون أن يفعل شيء وبالتالي يشعر بالحزن لأن السنوات تفر من بين أيديه وهو ما زال عند نقطة الصفر؟

وحسب الإجابة يجب أن يتخذ بعض القرارات المهمة، والتي ستحدد مصير حياته القادمة؛ فإذا كان من أصحاب الهمة والنجاح فإنه يجب أن يستمر على ذلك بل يسعى أن يتطور حتى يصل إلى قمة أكبر مما وصل إليها، وإذا كان من الذين أضاعوا أعمارهم في اللعب واللهو، فإنه يجب أن يكف عن ذلك الآن ويبدأ في تنفيذ مشاريع حياته التي لطالما حلم بها وأراد أن يتخذ في سبيلها خطوة محددة.

وفي هذا المقال ألقي الضوء قليلًا على أصحاب الضياع، الذين فوتوا أعمارهم السابقة من بين أيديهم، وأحاول أن أدلهم على بعض الطرق حتى يتداركوا أنفسهم في الوقت المناسب قبل فوات الأوان، ويتعرفون على ذواتهم الحقيقة ويشعرون في تحقيق الأهداف التي تمر دائمًا على خاطرهم مر الهم والغم لأنهم لا يستطيعوا أن يتخذوا خطوة واحدة في سبيل تلك الأهداف.

في البداية: يجب أن يكون الإنسان صادقًا مع نفسه، يعني أن يحاور نفسه في جلسة صفاء، ويحدد جيدًا عيوبه من مميزاته، ويبدأ في كتابتها، ويبدأ في سؤال نفسه عن شغفه الذي يؤرقه، ويجب أن يبحث عنه حتى يلاقيه، فالله قد خلق في قلب كل إنسان شغفه الخاص به الذي يجب أن يتداركه في لحظة ما ويبدأ في السعي خلفه، ويحقق غاية الله من خلقه.

وبعد أن يتعرف الإنسان على ذاته الحقيقية، بأن يكون صادق مع نفسه أيما صدق، يجب أن يبدأ في شخذ الهمة في داخله، ويبدأ يعدد لنفسه الدوافع التي تجعله يعيش من أجلها، ومن أجلها لابد أن يحقق هدفه الذي يؤرق قريحته، ويذهب النوم عن عينه.

تلك الدوافع هي ما تخلق داخل الإنسان الحماس الحقيقي الذي لا يذهب أبدًا، الحماس المتولد من المتعة التي يخلقها العمل في نفس الإنسان كلما أقبل عليه، ذلك الحماس الذي لا يخبو مع الوقت في طي النسيان وتعود الكرة من جديد، ويغرق الإنسان مجددًا في كسله وحزنه على نفسه الدائم.

بالمختصر: يجب أن يتخذ الإنسان في المقام الأول عدة خطوات بسيطة، لكنها تحتاج إلى صدق كبير ومران دائم؛ أن يحدد هل حياته مجدية أم لا؟ ويحدد ما يشغل نفسه بمنتهى الصدق والشفافية حتى يستطيع أن يستخلص هدفه في الحياة، ومن ثم يبدأ في تحديد الدوافع الأخرى التي تجعله يكمل في هذا الهدف على مدار الباقي من عمره بحماس حقيقي بعيد عن التزييف والسخرية من النفس.

فإذا استطاع الإنسان أن يحقق ذلك في المقام الأول، لابد أن يتحلى بالعزيمة الكافية لكي يبدأ في الخطوة الأولى في طريق تنفيذ الهدف الذي استقر عليه، وتلك العزيمة لا تتأتى إلا بالمثابرة والجهد، والانتكاس مرة والعودة مرة وعدم اليأس، إلى جانب نبذ العادات السيئة التي تجعل الإنسان خاملًا وكسولًا، واستبدالها بالعادات الجيدة التي تدفعه إلى النشاط الدائم وتبعده عن الخمول، ثم بعد ذلك يتخذ لنفسه استراتيجية قائمة على عدة خطوات بسيطة لكي يحقق الهدف على المدى البعيد “إن شاء الله”.

التخطيط للهدف

بعد أن يعلم الإنسان هدفه تحديدًا، لابد أن يعمل عليه، بالذكاء في المقام الأول ثم بالجهد اللازم لتحمل العقبات ومجاهدة النفس، وذلك يتأتى بخطوات قليلة بسيطة، منها:

  • تجزئة الهدف: إذ يجب على الإنسان أن يضع لنفسه عدة مستويات لهدفه يمر بها في طريقه حتى ينتهي في النهاية إلى هدفه بسهولة ودون تشتت أو تخبط.

وتجزئة الهدف إلى مستويات صغيرة هي ايسر طريقة من محاولة تحقيق ذلك الهدف الكبير دفعة واحدة، لأن ذلك الأخير ينتج عنه تضييع الكثير من الوقت في اللاشيء، ذلك الوقت الذي من الممكن أن يستخدمه الإنسان في أمور أخرى غير تضييعه.

  • تنظيم الوقت: لابد للإنسان أن ينظم وقته حتى يستطيع أن يحقق في يومه شيئًا ولو صغيرًا في طريق تحقيق الهدف؛ فاليوم الواحد كفيل أن يحقق إنجازًا صغيرًا يقرب الإنسان إلى الهدف الكبير النهائي.

وتنظيم الوقت يتطلب في المقام الأول، أن يضع الإنسان أولوياته في بداية يومه، لأن بداية اليوم هو الوقت الذي يكون فيه الإنسان مشحونًا بالطاقة الكافية لتنفيذ الأمور الكبيرة أو ذات الأولوية الكبيرة.

ويستحب في تنظيم الوقت أن يجعل الإنسان بداية يومه في ساعة مبكرة، والأفضل أن تكون هذه الساعة بعد صلاة الفجر، لأن الجسم يكون مشحونًا بطاقة كبيرة لتنفيذ المهام المؤجلة، غير أن الوقت يسوده الهدوء في ذلك الوقت.

  • عمل قليل دائم خير من عمل كبير غير دائم؛ فالعمل القليل الدائم كاللبنة الصغيرة يضع الإنسان كل يوم لبنة فوق الأخرى حتى يرى بناء مرصوص جميل كما أمل، غير الأعمال الكبيرة التي تتسم في النهاية بالتبعثر والتشتت وتضييع الوقت والتنظيم.

أمور يجب أن يطمئن الإنسان إلى التزامها

من العام للعام، لابد أن يتلزم الإنسان بعض العادات ولا ينقطع عنها، بل يتزود منها ويتطور فيها، تلك العادات هي ما ترشده، وتنير روحه، وتشير إلى الطريق الصحيح، ومن تلك العادات التي يجب أن يلتزم بها الإنسان في حياته:

  • المحافظة على علاقته مع ربه: إذ يجب أن يقوي الإنسان علاقته بربه بالعبادات المفروضة، والسنن الواجبة، حتى تكون تلك العبادات هي المشكاة التي تنير روح الإنسان، وتنبهه دائمًا إلى عرج عن طريق الصواب وسلك طريقًا خاطئًا.
  • المعرفة والسعي: إذ يجب على الإنسان أن يلتزم القراءة، حتى يتزود بالمعرفة اللازمة والتي تلهمه في كل أمور حياته الإبداعية وغيرها، وتعينه على فهم تخصصه خير فهم، فبالتعلم يتدارك الإنسان أخطائه، ويتطلع إلى العديد من وجهات النظر الأخرى، ويبدأ في تكوين عقليته الإبداعية الخاصة به.
  • الأخلاق والعلاقات الاجتماعية: لكي يكون الإنسان محبوبًا في المجتمع، لابد أن يسلك طريقًا مختصرًا دقيقًا جميلًا، وهو الأخلاق الكريمة؛ إذ أن الأخلاق هي ما تشد الأواصر بين الإنسان وغيره، ذلك الإنسان الذي يتسم بالاحترام الدائم للآخرين، ولكل ما يحيط به.

إن عيد الميلاد هو المرحلة الفاصلة في حياة الإنسان، تنبهه أن عامًا قد ولى، وها قد هل عام جديد، وعليه أن ينظر في مصير حياته، ويقوم الدرب الذي يخوض فيه.

أضف تعليق