مقال عن صلح الحديبية

صلح الحديبية

من الأحداث الفارقة في مسيرة الدولة الإسلامية، وحياة الرسول “صلى الله عليه وسلم”: صلح الحديبية؛ إذ كانت مرحلة فارقة في حياة الرسول “صلى الله عليه وسلم” التجأ فيها إلى السلم، وطريقة جديدة في التفاوض مع الأعداء، وفي هذا الصلح برزت الكثير من الأمور التي يجب أن يعلق بها تأملنا، حتى نشعر بعظمة هذا الدين، ونحمد الله أننا ندين به.

وفي هذا المقال، نطالع كل ما يتعلق بصلح الحديبية: أطرافها وتاريخها، وأسبابها، وسبب تسميتها، وأحداثها، وشروطها، ونتائجها، وأهم الدروس المستفادة منها.

سبب التسمية

سميت وقعة (صلح الحديبية) بهذا الاسم، لأنها وقعت في مكان يسمى (الحديبية) وهو قريب من مكة المكرمة، لذلك سمي بهذا الاسم نسبة إلى هذه المنطقة.

تاريخه وأطرافه

وقع صلح الحديبية في العام السادس من الهجرة، في شهر ذي القعدة (مارس 627م)، وكانت بين المسلمين، ومشركي مكة، وهم أهل قريش.

أسباب صلح الحديبية وأحداثه

وبدأت الشرارة الأولى حين رأى الرسول “صلى الله عليه وسلم” في منامه أنه يدخل مع اصحابه المسجد الحرام، يطوفون بالكعبة، ويؤدون العمرة، فأخبر أصحابه بذلك، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا؛ وقد اشتد حنينهم إلى مكة، وإلى أداء العمرة التي حرموا منها سنوات طويلة، فأخبروا الرسول “صلى الله عليه وسلم” بذلك.

فتجهز النبي “صلى الله عليه وسلم” هو وأصحابه من المهاجرين والأنصار، وقد بلغ عددهم ألف واربعمئة، واصطحب معه زوجته أم سلمة “رضي الله عنها”، وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة من ذي الحليفة، ليعلم الناس إنه جاء ليزور البيت الحرام، وأنه لا يبغي حربًا.

ولكن، حين وصل إلى منطقة بين مكة والمدينة تسمى (عسفان) أخبره بشر بن سفيان الكعبي، أن قريشًا قد استعدت لتصده عن الدخول إلى مكة، فحاول الرسول “صلى الله عليه وسلم” تجنبهم بأن سلك طريقًا آخر وعرًا، حتى وصل إلى (الحديبية) وأقام في ذلك المكان، لأن ناقته قد بركت.

أرسل الرسول “صلى الله عليه وسلم” خراش بن أمية الخزاعي إلى قريش، فلما دخلها، حاولوا البطش به وقتله، لكن الأحابيش منعوهم، فعاد إلى الرسول “صلى الله عليه وسلم” وأخبره بما فعلت قريش.

فأرسل الرسول “صلى الله عليه وسلم” عثمان بن عفان “رضي الله عنه إلى قريش، ليخبرهم رسالة الرسول “صلى الله عليه وسلم”؛ وقد استطاع عثمان الولوج إلى مكة والتكلم مع أهلها لأن أهله في مكة من سادة قريش الأغنياء، لكنهم أبوا عرض الرسول “صلى الله عليه وسلم”.

وحين تأخر عثمان بن عفان “رضي الله عنه” في الرجوع، وشاع أن المشركين قد قتلوه، دعا الرسول “صلى الله عليه وسلم” إلى بيعة الرضوان، فبايع الصحابة على ألا يفروا، ويظلوا في جانب الرسول “صلى الله عليه وسلم” حتى نهاية الأمر.

وبدأت الرسائل والرسول تتأرجح بين الرسول “صلى الله عليه وسلم ” وقريش؛ وقد بعث الرسول إليهم يخبرهم أنه ما جاء لقتالهم بل ليؤدي العمرة، ويخبرهم، في حال أبوا، أن يقاتلهم حتى ينفذ أمر الله.

وظلت الرسائل تتداول بين الرسول “صلى الله عليه وسلم” وقريش، حتى أذن الله بالصلح، وكان ذلك حين جاء من طرف قريش (سهيل بن عمرو)، ليتكلم مع الرسول “صلى الله عليه وسلم”، وانتهى الأمر فيما بينهما على الصلح، وأُمر علي “رضي الله عنه” بالكتابة، وكُتبت شروط صلح الحديبية آنذاك.

وحين تم الصلح، وعاد الرسول “صلى الله عليه وسلم ” إلى المدينة، أنزل الله عليه قوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا) (الفتح: 1″5) فقال “صلى الله عليه وسلم” (لقد أنزلت عليَّ آية هي أحب إليَّ من الدنيا جميعًا). لذلك سمي هذا الصلح، بالفتح المبين أيضًا.

شروط صلح الحديبية

انتهى الأمر بين المسلمين وأهل قريش على الصلح، فعقدوا (صلح الحديبية)، وكان له شروط، هي كالآتي:

  • وضع هدنة من الحرب مدتها عشر سنوات، يكف القوم عن قتال بعضهم بعضًا فيها.
  • أن يرد المسلمون من جاء إليهم وقد أعلن إسلامه من قريش دون علم أهله، وأن لا ترد قريش من يأتيها مرتدًا عن الإسلام.
  • من أحب من القبائل أن يدخل في عهد الرسول “صلى الله عليه وسلم” دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في عهد قريش دخل فيه.
  • يرجع النبي “صلى الله عليه وسلم” عن مكة ولا يعتمر هذا العام، على أن يعود في العام المقبل، وحين يأتي النبي “صلى الله عليه وسلم” ليدخل الحرم، تخرج قريش منه، ولا يكون مع الرسول “صلى الله عليه وسلم” سلاحًا إلا سلاح الراكب، وتكون السيوف في القُرُب، ويبقى في مكة ثلاثة أيام.
  • المحافظة على الصلح بين الفريقين، والتأكيد على منع ما يؤدي رجوع الحرب بين الفريقين.

وهكذا تم الصلح بين المسلمين وأهل قريش، على ضوء البنود التي اشطرتها الطرفان، وقام بموجبه الصلح.

الدروس المستفادة

بعد أن عرضنا أسباب الصلح، وأحداثه، يبقى لنا أن نتأمل قليلًا في الصلح، لنستخلص الدروس المستفادة العظيمة التي علمها الرسول “صلى الله عليه وسلم” إيانا بحكمته وحنكته.

  • أول تلك الدروس أن يبادر الإنسان بالصلح إذا رأى في ذلك الصلح المصلحة الأكبر، فلا يتكبر ويتأبى على الصلح، بل يسعى إليه.
  • الدرس الثاني الذي علمنا إياه الرسول “صلى الله عليه وسلم” أنه لا حرج من عقد الصلح مع الأعداء إذا كان فيه مصلحة للمسلمين، وفي صلح الحديبية استطاع الرسول “صلى الله عليه وسلم” أن يؤمن للمسلمين ما لا يستطيع أن يؤمنه لهم بالحرب.
  • الدرس الثالث الذي نتعلمه من الرسول “صلى الله عليه وسلم” أن الصلح لا يعني الكف عن الجهاد؛ فقد بايع الرسول “صلى الله عليه وسلم” أصحابه بيعة الرضوان، حين أشيع أن عثمان “رضي الله عنه” قد قُتل، فبايعهم استعدادًا للمعركة المحتملة.
  • الدرس الرابع الذي نتعلمه من عقد الصلح، أنه لا مشكلة إذا تنازل أحد الطرفين عن بعض الشكليات من أجل الصلح، فقد تنازل الرسول “صلى الله عليه وسلم” عن كتابة (بسم الله الرحمن الرحيم)، وكتابة (محمد “صلى الله عليه وسلم” بصفته رسول الله) وذلك في سبيل إتمام الصلح.
  • الدرس الخامس الذي نتعلمه من الرسول “صلى الله عليه وسلم” أنه لا مانع من إقامة التحالفات مع غير المسلمين إذا كان ذلك يصب في مصلحة المسلمين ويزيد من قوتهم، ويصعب على الأعداء الغدر بهم.
  • الدرس السادس الذي نتعلمه من الرسول “صلى الله عليه وسلم” ضرورة الشورى، وعدم الاستبداد بالرأى؛ فرغم أن الرسول “صلى الله عليه وسلم” لا ينطق عن الهوى، ومعصوم من الخطأ، لم ينفرد برأيه، إنما استشار أصحابه، حتى أنه “صلى الله عليه وسلم” أخذ بمشورة زوجته أم سلمة بعد أن تم الصلح.

أضف تعليق

error: