قناة الحرة.. قنبلة أمريكا في الشرق الأوسط

في البداية من المهم التأكيد على أن قناة الحرة ليست مشروعا منفردا ولكنها جزء من خطة إعلامية كبيرة أطلق عليها الساسة الأمريكيون برنامج الدبلوماسية الشعبية والمسئول عن تطبيق هذا البرنامج هي وزارة الخارجية الأمريكية، وبدأت هذه الخطة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 للإجابة على سؤال لماذا يكرهوننا؟… هكذا يقول المستشار كريستوفر روس المكلف من الرئيس الأمريكي بإطلاق قناة الحرة والإشراف العام على برنامج الدبلوماسية الشعبية.

ويضيف روس قائلا: كان من الضروري بث هذه القناة بعد ما لاحظناه في استطلاعات الرأي العام التي تقول إن الشعوب العربية تتصور أن أمريكا تعيش حياة مفتوحة منحلة ومعادية لكل العقائد الدينية وان هدف أمريكا هو الحرب. وهذا يعني أن الشارع العربي -بهذه الصورة- تحول إلى ظاهرة يجب الاهتمام بفهمها والبحث عن أسباب معارضته لنا.

ولقد اختار بوش كريستوفر روس بالذات لهذه المهمة لإجادته اللغة العربية بحكم عمله كدبلوماسي في عدد كبير من الدول العربية.

وأصبحت إجادة العربية هي أول شرط في قبول الراغبين في العمل بقناة الحرة إذ لا بد أن يشعر المشاهد العربي أن من يتحدث إليه هو واحد من مجتمعه العربي باعتبار أن ذلك خطوة مهمة على طريق الإقناع.

ومن شروط العمل أيضا في قناة الحرة الولاء والاقتناع الكامل بسياسة أمريكا في منطقة الشرق الأوسط بالإضافة لتقبل فكرة التطبيع مع إسرائيل وتأتي بعد ذلك الخبرة الإعلامية… الأداء… الصوت… وربما تدخل ضمن العوامل غير المهمة.

ويقول الدكتور محمود خليل أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة أن قناة الحرة تمثل هجمة كبيرة على الفكر العربي فهي تبث إرسالها دون تشفير ليراها الجميع عبر النايل والعرب سات.

وهذه القناة تقدم برامج متنوعة ثقافية وترفيهية واجتماعية وأغاني بكل اللغات لكنها تركز على العربية وتحاول أن تقدم برامج سياسية وإخبارية تفيد الأسرة كلها والشباب من خلال برامج خاصة بالموضة والطهي والجديد هو تقديم موجز للأخبار كل ساعة بالإضافة لفترتين إخباريتين وبالطبع فإنهم في هذه الأخبار يستخدمون ألفاظا بديلة لألفاظ أخرى مثل لفظ العمليات الإرهابية كبديل لكلمة المقاومة سواء العراقية أو الفلسطينية وهي كلمة تعني أنهم أصحاب حق… كما يقولون العمليات الانتحارية كبديل للعمليات الاستشهادية وقوات التحالف بدلا من قوات الاحتلال الأمريكي للعراق.

وبصفة عامة فإنك عندما تتابع هذه القناة تجد أنها بعيدة تماما عن الحرية والديمقراطية والموضوعية والحياد وأحيانا يحاولون بث أخبار حقيقية قريبة للحياد في محاولة لكسب الجمهور العربي وتضليله من خلال خلط الأكاذيب بالحقائق.

ومن برامج القناة التي تحظى بمشاهدة عالية برنامج (مجازين) وهو عبارة عن مجلة بها كل شيء يهم الأسرة فهي تقدم برامج عن الموضة والطهي والشعر والمكياج وعروض أزياء وبها فقرات كوميدية ومسلية ويحاولون بمثل هذه البرامج جذب المشاهدين وقد لاقى مضمونها استحسان البعض بعد أن ابتعدت عن بث أي أشياء إباحية.

وهناك برنامج حقق بعض الصدى بمجرد عرضه وهو برنامج الاتجاهات الأربعة الذي يقدمه اللبناني اليهودي سام منسي وأولي حلقات هذا البرنامج بدأت مع اليوم الأول لبث القناة في14 فبراير الماضي وكانت الحلقة عبارة عن ندوة شارك فيها مدير القناة موفق حرب والأساتذة سلامة نعمان مدير مكتب الحياة في واشنطن وجهاد الخازن رئيس تحرير جريدة الحياة ومحمود الشمام مدير الطبعة العربية من النيوزويك وكانت هذه الحلقة محاولة لمعرفة مدى تقبل العالم العربي لقناة الحرة وحاول موفق حرب إبراز الجوانب الإيجابية للقناة وحرصها على نشر الحرية في العالم العربي وانتهى اللقاء بالتأكيد على أن كراهية أمريكا وسياستها قائمة على أسباب موضوعية لا يمكن لبوش تجاهلها وهي التوحد مع إسرائيل في الأهداف والوسائل واستخدام العنف والقوة المفرطة وان أقصى ما تستطيع القناة القيام به هو تغليب الأخبار الصادقة كما تفعل الإذاعة البريطانية لان إقناع العرب بحب أمريكا هو نوع من السذاجة ومهمة صعبة جدا، أيضا تحرص قناة الحرة على تقديم برامج ثقافية وسياحية كثيرة عن كل الدول العربية وقد بدأت القناة بث أول فيلم تسجيلي سياحي عن مصر يوم البث الأول لها ويلاحظ بشكل عام أن الفترات الاخبارية تزيد يوما بعد يوم.

ويحرص العديد من السياسيين العرب الذين يطلب منهم المشاركة في الأحاديث الهاتفية أو اللقاءات التليفزيونية على أن يكون حديثهم على الهواء مباشرة حتى لا يتم العبث بأي كلام يقولونه من خلال المونتاج وهذا يعكس عدم ثقتهم في القناة.

وقد استبدل موفق حرب اسم القناة المقترح وهو تليفزيون الشرق الأوسط باسم الحرة قائلا: إن هذا الاسم سيساعدنا أكثر على تسويق أمريكا بفكرها وسياستها ولكن من هو موفق حرب رئيس قناة الحرة؟

أنه شاب لبناني من أسرة بسيطة شيعية من جنوب لبنان مات عمه الشيخ حرب في إحدى عمليات القمع الإسرائيلية وشب الفتي على كراهية إسرائيل وكان متفوقا في دراسته ولذلك منحه السيد رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان الحالي هو ومجموعة من المتميزين وقتها منحه للدراسة في أمريكا واختار موفق دراسة الإعلام وأصبح من أقوى المدافعين عن سياسة أمريكا، وكان قد كون في بداية حياته مع صديقه السوري فريد القادري وكالة صحفية أطلق عليها اسم (كامبس ميديا) وهي وكالة مشبوهة كان يبتز من خلالها الدول العربية مقابل عدم انتقادها ومهاجمة رموزها في الصحف الأمريكية مثل صحيفة واشنطن تايمز والتي كانت تنشر له الكثير وحقق الاثنان ملايين الدولارات ولكن بعد فترة أغلقت هذه الوكالة أبوابها فرجع حرب مرة أخرى إلى رداء الشيعة وعاد ليشارك مع زعيم حركة أمل الشيعية السيد نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني الحالي في إقامة اذاعة وتليفزيون ناطقة باسم الحركة تحت اسم اذاعة وتليفزيون الوطنية NBN وهذه الحركة ترفع شعار اسرائيل هي عدونا ولكن نبيه لم يأمن لنوايا موفق فأنهي العمل معه. فعاد حرب مرة أخرى لأمريكا وهذه المرة اقتنع تماما أنها مكانه الصحيح وبعد شهور قليلة اقتنص منصب مدير مكتب الحياة في واشنطن وكون علاقات قوية جدا في فترة قصيرة مع السياسيين والإعلاميين الإسرائيليين والأمريكيين من خلال مجاملاته وكتاباته التي تمجد وتعظم سياسة أمريكا وهذا ما دفع المليونير نورمان صاحب فكرة راديو سوى والسياسي روبرت ساتلوف رئيس معهد واشنطن لسياسات الشرق الداني إلى إسناد منصب مدير إذاعة سوى إليه.

وعلى الرغم من فشل الإذاعة إلا أنهم ما زالوا مقتنعين جدا بذكاء وعبقرية موفق حرب ذلك الشاب اللبناني الذي نجح في استقطاب عدد كبير من الشباب العربي الإعلامي من القنوات الفضائية العربية التي يعملون بها للمشاركة في إنشاء الحرة وقد اجتذب أكثر من 200 إعلامي عربي في أغسطس الماضي، ويقوم بإغرائهم بأموال كثيرة فالحرة تمنح المذيع العامل بها100 ألف دولار سنويا وإقامة بأمريكا وتمنحه الجنسية ولكن الكثير رفضوا العمل فيها لشعورهم بأنها معادية للعروبة والإسلام.

وتقول الدكتورة مني الحديدي عميد الأكاديمية الدولية لعلوم الإعلام عن رأيها في الحرة: من حق كل مجتمع أن ينشر سياسته وأفكاره كما يريد للعالم من خلال إذاعة… أو تليفزيون أو مجلة وعلي العالم العربي أن يفعل هو الآخر نفس الشيء فيقدم نفسه ويعبر عن قضاياه وباللغة التي يتحدثها غيره والإعلام بشكل عام سلاح خطير سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي ولا بد أن نعيه وأن ننمي أنفسنا قبل أن نمنع هذه القنوات فنحن في عصر السماوات المفتوحة وعلينا أن نرتقي بفكر المشاهد العربي حتى لا يصدق أي شيء يسمعه أو يشاهده وتصبح لديه القدرة على التعامل مع ما يقدم إليه.

وبشكل عام فإن إيجابية أو سلبية القناة تتوقف على القائمين على إدارتها وعلينا أن نفرق بين الملكية والإدارة فإذا كانت الملكية خاصة فإن الإدارة لديها فكر يعكس احتياجات الجمهور وهذا هو الأهم.

وتقول الدكتورة ماجي الحلواني عميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة “سابقًا”: لا أعرف لماذا يوجهون لنا قناة تعرفنا الديموقراطية والحرية فهل يعتقدون أننا لا نعرف هذه المعاني؟

أننا نعيشها منذ آلاف السنين وهي قناة فقيرة لا تقدم أي جديد ولم تجذبني إليها برغم الميزانيات الكبيرة جدا المخصصة لها فأنا كمشاهدة لم أجد أي متعة في متابعة الحرة ولا أعتقد أنها تحمل الحرية كما يزعمون فأمريكا تقمع الحريات في فلسطين والعراق وعليها أولا أن تنادي بشيء تفعله حتى يصدقها الآخرون، ولا أرى خطورة في وجود قنوات كهذه القناة ما دامت لدينا قنوات فضائية عربية إخبارية لها مصداقية عالية جدا بالنسبة لنا ولكن عليها أن تناقش القضايا المهمة التي تجمع الوطن العربي كله وتجعلنا نتقدم بدلا من المواد التافهة التي تذاع -ليل نهار-.

وأستطيع أن أؤكد أن المشاهد العربي الواعي لن يسقط فريسة سهلة للحرة لأنه يدرك تماما أهداف كل قناة تبث إليه برامجها وقناة الحرة تجربة مكتوب عليها الفشل لأنها توجه رسالة ذات أهداف محددة ومباشرة فليست هناك قضية محورية تدافع عنها وإنما تدافع عن توجهات السياسة الأمريكية وعندما قدمت برنامجا للآثار المصرية لم يكن الهدف هو خدمة المشاهدين كما يوحي هذا في البداية ولكن بناء على تصريحات بوش يتضح أن هناك تلميحات بتدخل القناة في محاولة لتغيير سلوكيات قديمة للشعوب، هذه السلوكيات مرتبطة بشكل قريب أو بعيد بالسياسة الأمريكية ونحن نرحب بانسياب الحضارات والسماوات المفتوحة لنأخذ منهما ما نريد وما ينفعنا ولكننا نرفض المساس بأي قيمة من قيم المجتمع العربي.

ويقول أمين بسيوني رئيس مجلس إدارة الشركة المصرية للأقمار الصناعية أن الأمريكيين احتجزوا لأنفسهم مساحة على النايل سات لبث قنوات وإذاعات ولكنهم لم يستغلوا هذه المساحة إلا أوائل العام الحالي عندما أخطرونا بأنهم يرغبون في بث قناة الحرة على النايل سات على مدار الأربع والعشرين ساعة دون تشفير والعقد المبرم بيننا يقضي بنقل مواد البث من المحطة التي تتبعها إلى القمر الصناعي النايل سات كإدارة هندسية دون التدخل في نوعية ما يتم بثه

وتري الإعلامية هاله حشيش رئيس قناة النيل الدولية أن هناك جانبا إيجابيا في الموضوع من زاوية الاهتمام بالمنطقة فهي قناة بلغتنا وتحاول إجراء حوارات بيننا وبينهم ونحن سبقناهم عندما أطلقنا قناة النيل الدولية التي تخاطب أوروبا وأمريكا بالإنجليزية ولن تلغينا الحرة بل بالعكس من المحتمل أن يوجد ذلك نوعا من المنافسة وبالتالي التجويد.

 

ويقول الدكتور صفوت العالم الأستاذ بكلية الإعلام جامعة القاهرة لأول مرة تدعم الحكومة الأمريكية الإعلام فالقانون الأمريكي يمنع هذا الدعم وقد وجه أحد الصحفيين سؤالا لبوش في الكونجرس الأمريكي حول هذا الموضوع وكانت أجابته أن القانون يمنع الدعم للإعلام الداخلي أما الإعلام الخارجي فهو يهدف لتحسين صورة أمريكا عند العرب عن طريق الإقناع والحوار مع الآخر والقانون لا يمانع في ذلك وقناة الحرة تتبع مجلس المحافظين للإذاعات وهذا المجلس يرأسه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ويتبعه رئيس المخابرات الأمريكية ويضم أعضاء من الحكومة والكونجرس والمشروع خطة كبيرة للتأثير على عقول العالم العربي لكن توقيت بدء إرسال القناة لن يخدمها خاصة وسط عداء المواطن العربي لسياسة أمريكا كما أن فكرة محاولة الحرة تحسين صورة امريكا عند العرب وترويج سياستها واقناع الاخرين بها من الصعب على الحرة القيام بها ان لم يكن من المستحيل

ولكن هل يشاهد الشباب هذه القناة؟

يقول احمد محمود ابراهيم طالب بكلية العلوم جامعة القاهرة شاهدت أجزاء من بعض برامجها. ودائما أشاهد ما أريد مشاهدته وأفاضل تماما بين ما يبث بعده أو قبله فلقد كنت من مستمعي راديو سوى ولكنني تيقنت من نوعية الأخبار التي يقدمها لذلك أسمع الأغاني ولا أنتبه إلى سماع الأخبار التي تبثها لأنني أعرف الحقيقة جيدا.

وتضيف سمر توفيق كلية الآداب في هذه القناة مواد ترفيهية لطيفة وكذلك برامج خاصة بالموضة والأزياء جميلة جدا ولكنني لا أستمع لأي أخبار تذاع خلالها فعليك دائما قبل أن تقتنع بشيء أن تبحث عن مصدره فما بالك إذا كان خبرا مصدره أمريكي فمن المؤكد أنه لن يكون صحيحا بنسبة 1 % ولذلك عند ما أحب أن استمع للأخبار أشاهد العربية أو الجزيرة أو القنوات الأرضية أو النيل للأخبار.

ويقول محمود الشريف طالب بكلية الآداب لا أعرف لماذا يسمح لهذا القنوات بأن تبث عبر النايل سات أو العرب سات الخاص بنا، نحن لا نرغب في مشاهدتها لماذا يقتحمون بيوتنا وإذاعتنا بهذا الشكل فمن الممكن أن يقع البعض فريسة لهذه الإذاعات والقنوات ولذلك يجب الحذر منها؟

تحقيق: عزيزة أبو بكر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: