التعريف بفقه العبادة في أداء الحج

التعريف بفقه العبادة في أداء الحج

يقول الله ﷻ: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} (آل عمران: ٩٧)، هنا وقفات لابد من مراعاتها:

أولا: شعائر الحج فيها بيانٌ لفقه العبادة، لجمعه معظم أنواع الطاعات: البدنية، والمالية، والقلبية، يقول ﷺ: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» متفق عليه وقوله ﷺ: «الغازي في سبيل الله والحاج والمعتمر وفد الله، دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم» ابن ماجة.

ثانيا: يقول الله ﷻ: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} (الأحزاب: ٢١) فالاتباع قاعدة في جميع مراتب الدين، ففي الصلاة قوله ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» رواه البخاري. وفي الحج قوله ﷺ: «لتأخذوا مني مناسككم فإنني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» رواه مسلم. والحذر من المخالفة، يقول الله ﷻ: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} (النور: ٦٤).

ثالثا: يقول الله ﷻ: {وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} (التوبة: ٣١)، فلا للشرك في العبادة يقول ﷻ: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} (المائدة: ٧٢) ولا رياء (لرؤيا الناس) لقوله ﷻ: {يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} (النساء: ١٤٢)، ولا سمعة (لإسماعهم)، وفي الرياء والسمعة يقول ﷺ: «من يسمّع يسمّع الله به، ومن يراءِ يراءِ الله به» متفق عليه، وقوله ﷺ: «اللهم اجعلها حجة غير رئاء ولا هباء ولا سمعة».

رابعا: يقول الله ﷻ: {وأتموا الحج والعمرة لله} (البقرة: ١٩٦). وللحج خمس شرائط: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة، وفي الاستطاعة عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال: «الزاد والراحلة» وتزداد المرأة بالمحرم؛ لقوله ﷺ: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم» متفق عليه.

وهنا نجِد: الحج والعمرة خطوة بخطوة كأنك في الرحلة

خامسا: ومن صور البلاء ما يلاحظ من تعليق الرقى والتمائم ونحوها التي عمت بلاد المسلمين وتجاوزت الإنسان إلى السكن والبهائم والمركبات لجهل الكثير بحقيقة التوحيد، ولاسيما أن هذا يُلاحظ من بعض الحجاج في مشاعر الله الحرام لدفع الضرر وجلب النفع، فعن عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك».

وقال عبدالله: إنما ذلك عمل الشيطان وقال: كان رسول الله ﷺ يقول: «أذهب البأس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما» أما التمائم فصدق الشاعر:

وإذا ما المنية أنشبت أظفارها
ألفيت كل تميمة لا تنفع

والمقصود بالرقية هنا الشركية: أي القراءة للمريض إذا كانت بغير كتابه ﷻ وسنة نبيه ﷺ، والتميمة: يقال إنها خرزة أو لفافة كانوا يتعلقونها يرون أنها تدفع عنهم الآفات، ويُقال قلادة تعلق فيها العوذات، والتولة – بكسر التاء-: ما تُحبب به المرأة لزوجها، أو ما يفرق بينهما.

سادسا: وأعظم من ذلك دعاء بعض الحجاج واستغاثتهم بغير الله، واعتمادهم على أوردة شركية، والله ﷻ يقول: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين} (يونس: ١٠٦)، {ولا تدع من دون الله} كائنا من كان من الملائكة والأنبياء وأهل البيت والصحابة والأئمة والصالحين، وهذا غير ما جاء في الصحيحين وغيرهما «أن تلبية رسول الله ﷺ لبيك اللهم لبيك: لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، فهذا شعار التوحيد في الحج وغيره.

فلنكتف بما سنه رسول الله ﷺ ومثاله ما جاء في الدر المنثور (١/٢٥٥) قال: أخرج الشافعي في الأم عن ابن جريج، وأخرج ابن أبي شيبة والأزرقي عن مكحول «أن النبي ﷺ لما رأى البيت حين دخل مكة رفع يديه، وقال: اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه واعتمره تشريفا وتعظيما وتكريما وبرا».

كما يجب أن يكون كل عمل اتباعا للسنة، لا لذاته ولا ابتداعا. ففي الصحيحين: «قبل عمر بن الخطاب الحجر ثم قال: أما والله لقد علمت أنك حجر ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك» قال النووي رحمه الله: قال عمر -رضي الله عنه- ليسمع الناس هذا الكلام ويشيع بينهم. خوفا أن يغتر بعضهم بذلك والله أعلم، انتهى وكذا لا يجوز التبرك ومسح وتقبيل مقام إبراهيم وإنما اتخاذه مصلى ما أمكن لقوله ﷻ: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} (البقرة: ١٢٥) ما لم يخش الإيذاء لشدة الزحام خاصة في عصرنا هذا؛ لقوله ﷺ: «يا عمر إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله فهلل وكبر» ولا مسح للركنين الشاميين (بجوار حجر إسماعيل)، ولا التمسح بأستار الكعبة المشرفة أو أحجارها، وكذا زيارة غاري حراء وثور وتكلف صعودهما وصعود جبل عرفة أو التبرك بأشجار مكة وأحجارها أو السفر بها، كل ذلك لم يفعله ولم يأمر به ﷺ ولا أصحابه «وإنما يفعل ذلك من فعله بدعوى جلب النفع والشفاء من الأمراض والتوسعة في الرزق ودفع الضرر وكشف الكرب وطلبا للبركة، وإنما البركة فيما وافق الشرع».

يقول الكلبي في كتابه الأصنام (ص٦): إن إسماعيل بن إبراهيم صلى الله عليهما لما سكن مكة ووُلد له بها أولاد كثير حتى ملؤوا مكة ونفوا من كان بها من العماليق ضاقت عليهم مكة ووقعت بينهم الحروب والعداوات وأخرج بعضهم بعضا فتفسحوا في البلاد، وكان الذي سلخ (أدى) بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن (يخرج) من مكة ظاعن إلا احتمل معه (أثرا من الآثار) حجرا من حجارة الحرم؛ تعظيما للحرم وصبابة (محبة شديدة) بمكة، فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة تيمنا منهم بها وصبابة بالحرم وحبا بها، وهم بعدُ يعظمون الكعبة ومكة ويحجون ويعتمرون على إرث إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ثم سلخ ذلك بهم إلى أن عبدوا ما استحبوا ونسوا ما كانوا عليه (من التوحيد واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم وانتجثوا (استخرجوا) ما كان يعبد قوم نوح عليه السلام منها على إرث ما بقي فيهم من ذكرها، وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل يتنسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه. انتهى.

ولا شك أن تلك الأمور تعظم بعظم الزمان والمكان، أشهر الحج الحرم، وحرمة مكة التي شرفها الله.

وهنا -كذلك- نجِد: ما هي مناسك الحج: موضوع مفيد لكل الحجاج

سابعا: زيارة المسجد النبوي مشروعة ومستحبة ففي الصحيحين عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا ومسجد الحرام ومسجد الأقصى» وليست ركنا من أركان الحج، إنما حث عليها العلماء بعد الحج رغبة ألا يعود الحاج إلى بلاده إلا بعد أداء عبادة مندوبة ومتيسرة له بتكلفة أقل للمسجد النبوي.

فإذا دخله زار قبر النبي ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر -رضي الله عنه- موافقة للنصوص الشرعية وكلام المحققين من العلماء، بخلاف من خالفهم ممن يرى شد الرحال لزيارة القبر؛ لتضعيف العلماء أدلتهم، وعدم رواية كتب الصحاح والسنن شيئا منها، مع الحرص على آداب السلام، كان عبدالله بن عمر -رضي الله عنه- إذا دخل المسجد يقول: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف.

ثامنا: زيارة الأماكن الأثرية في كل من مكة والمدينة وما بينهما من طريق (بقصد العبادة) التي لم يرد فيها نص شرعي صحيح يأمر بزيارتها، يقول الله ﷻ: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} (البينة: ٥)، ويقول الله ﷻ: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين} (الأعراف: ٢٩) بل قد ثبت عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه كان في سفر فرأى قوما ينتابون مكانا يصلون فيه فقال ما هذا؟ قالوا: هذا مكان صلى فيه رسول الله ﷺ فقال: ومكان صلى فيه رسول الله ﷺ أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا، من أدركته الصلاة فيه فليصل وإلا فليمض.

والمتتبع لما جاء في كتب الصحاح والسنن والسير عن حجة الوداع للنبي ﷺ وحج خلفائه الراشدين لا يجد دليلا لمبتدع في ذلك، وهذا رسول الله ﷺ سيد المتبعين للحق، يقول الله ﷻ: {قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} (الأعراف: ٢٠٣).

تاسعا: الأمور المالية في الحج وغيره، يقول الله ﷻ: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} (الإسراء: ٢٩) فقد تفضل الله على عباده وجعل: حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا، قال العلماء: ينبغي أن يكثر من النفقة ومتاع السفر احتياطا للحاجة و: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} (البقرة: ٨٦).

بخلاف من يخلط بين التوكل على الله والتواكل، فحقيقة التوكل القيام بالأسباب التي شرعها الله مع الاعتماد على الله.

وقد أمر الله ﷻ بالتوكل في كل عزم: {فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين} (آل عمران: ١٥٩). وقال الله ﷻ في الحج وغيره: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب} (البقرة: ١٩٧). قال ابن جرير: نزلت الآية في قوم يحجون بغير زاد، قال الإمام أحمد: على جراب الناس توكلوا، انتهى.

والحج جهاد وفي سبيل الله بل حياة المؤمن كلها لله وفي سبيله، وذم الله من لم يعد للخروج في قوله: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة} (التوبة: ٤٦) والتوكل: هو قطع النظر عن الأسباب بعد تهيئة الأسباب كما جاء في الأثر: «اعقلها وتوكل».

عاشرا: الحذر من المال الحرام في نفقة الحج وغيره، ولمسلم وغيره، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «ياأيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} (المؤمنون: ٥١). وقال: {يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون} (البقرة: ١٧٢). ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يده إلى السماء: يا رب يا رب! مطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟!» ومما أخرج أحمد وابن خزيمة والطبراني في الأوسط والحاكم والبيهقي وفي إتحاف الخيرة المهرة، عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: «أفضل الإيمان عند الله ﷻ إيمان بالله وجهاد في سبيل الله، وحج مبرور»، قلنا: يا رسول الله، وما بر الحج؟ قال: «إطعام الطعام وطيب الكلام» والله أعلم.

بقلم: د. حسين بن محمد بن عبدالله آل الشيخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى