عن الحب نتكلم

صورة , الحب , Love

من جمال الحب وروعته أنه يجعل الكيانين كيانًا واحدًا ويجعل المحبوب جزءًا من المحب، لا تصبح للمسافات معنى ولا للفراق وقلة اللقاءات أثر يذكر، فلنتكلم عن الحب ونطرق أبوابه، ونستمتع بألحانه الناعمة حين تنساب عبر أرواحنا، وتنفذ إلى خلايانا فتحييها من جديد، وتنفخ فيها الروح.

ميلاد الحب صدفة والحفاظ عليه حرفة

الحب من المشاعر الإنسانية المعقدة التي تحتاج إلى إدارة واستيعاب، وليس هو كما يزعم البعض مجرد شعور ورغبة بهيمية متدنية، الحب حالة تدفعنا للبحث عن منطقة وسطى نلتقي فيها مع من نحب، حيث تلتقي رغباتنا ويتحد هوانا، ميلاد الحب صدفة قدرية بحتة ولكن الحفاظ عليه من عوامل التعرية والتعود، وعوامل الاختلاف ليس صدفة بل هو خطة ودربة وذكاء.

وحيث أننا مختلفين في طباعنا وسجايانا فإن معايشة الحب معا تكشف لنا الكثير من التفاصيل التي قد يتعذر علينا التكيف معها، وهنا يأتي دور الذكاء العاطفي في إدارة الحب، فمن يتشبث بمواقفه واعتقاداته ورغباته ولا يقبل التنازل عنها فهو غالبا يضحي بالحب، ويخسره، ومن يخنق رغباته ويدفنها بداخله، وينصاع دائما لرغبات المحبوب ويسير في اتجاه تياره، فهو بذلك يأخذ من الحب أسوء معانيه ويشرب مر كؤوسه، ويقبل ذل الحب فتذوب ملامحه في ملامح الآخر وتسحق حدود شخصيته تحت شعار شخصية الآخر، وإما أن يستمر الوضع فيصبح الحب سقيما مشوهًا، وإما أن يثور المحب في لحظة واحدة ويقلب الطاولة على العلاقة كلها.

فالأنسب والأذكى أن يتعامل المحب مع المحبوب بشيء من الوضوح والمرونة والشفافية، فيتنازل عن بعض الرغبات التي يمكنه التنازل عنها بلا ضرر ولا مشقة، ويتمسك بما لا يستطيع التنازل عنه، ويصل مع الحبيب إلى منطقة وسطى يبرز فيها الحب وتتوارى العنصرية والأنانية وحب النفس قليلا، وهنا تستطيع العلاقة أن تنجح، ويمكنها أن تستمر وتواجه ما يعرض لها من التحديات والصعوبات.

قرار الحب

على الرغم من كل قصص الحب التي تخدعنا بفكرة أن الحب يأتي بالصدفة البحتة، وأننا ليس لنا دخل فيها ولا سلطة عليها، فالحقيقة غير ذلك وهذا مناف لما يراه العلم والمنطق، فالحب لا يدخل القلوب إلا حين تكون تلك القلوب قد اتخذت قرارًا مسبقًا بأن تستعد للقائه وتفتح أبوابها لاستقباله، وتسمح له بالدخول، فالحب لا يكسر الأبواب المغلقة ولا يباغت الناس على غير توقع، بل يطرق القلوب برفق فمنها من يفتح فيكتب البداية ومنها من لا يفتح ويخط بيده النهايات، الحب يأتي بقرار.

كيف يحيا الحب؟

الحب كنبتة صغيرة في أرض العمر تغرسها أيادي القدر ولكنها لا تنمو، ولا تترعرع ولا تؤتي ثمارها إلا إذا وجدت من يهتم بها ويسقيها ويطعمها، وشراب الحب وطعامه هو الاهتمام المتواصل، والكلمات الرقيقة التي تمنحه البريق وتمسح عن ملامحه غبار الحرمان والنسيان، ومن طعامه وشرابه وأسباب حياته واستمراره كذلك العفو والصفح عن المحبوب والتجاوز عن هجره وجفائه وبعض زلاته، حتى مع العتاب والشكوى لا ينقطع الأمل في المعذرة والمغفرة، ومن أسباب بقائه وطول عمره الشفافية والوضوح فهما يسدان منافذ الشك والغيرة والقلق بين المتحابين ويغلق أبواب الشر جميعها، فقمة الذكاء أن لا يترك المحبوب لدى حبيبه سؤالًا بلا جواب أو شك يؤرق الثقة ويكدر صفوها.

ذكاء الحب

وثمة نوع من الذكاء يحتاجه الحب، ذكاء يطيل عمر اللهفة ولا يجعل للنسيان إلى القلوب سبيلا، وهو أن لا يمنح المحب المحبوب كل شيء مرة واحدة، ولا يهبه كل ما في حوزته من الحب والاهتمام في لحظة واحدة، ولا يبثه كل شوقه دفعة واحدة، فيمله المحبوب أو تنفذ طاقة المحب، فيصيب الحب الفتور أو يصيب المحبوب الاكتفاء وهذا أسوء ما يمكن أن يحدث للمتحابين، الاكتفاء.

أوجاع الحب

ما دام الحب لمخلوق فلا يخلو أبدًا من الوجع أو الخوف من المحبوب وبعده وغدراته أو الخوف عليه، فضلا عن مشاعر القلق التي تراد القلوب، فمن يحب لا يبقى على حال واحد فهو دائم الانشغال والحيرة والقلق والسهر، ينشغل بحال المحبوب وبمكانته هو عنده، وبقدر حبه له، ينشغل عنه إذا ابتعد أو غاب خبره، وينشغل به إذا اقترب ودنا وصله، فالحب لا يعرف راحة القلب ولا يتماشى معها أبدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى