خطبة: الغضب وآثاره السلبية على الفرد والمجتمع

خطبة: الغضب وآثاره السلبية على الفرد والمجتمع

والآن يا عباد الله؛ نصِل وإياكم إلى خطبة: الغضب وآثاره السلبية على الفرد والمجتمع. والتي نتناول من خلالها؛ بالأسلوب الوعظي واللغوي الجميل البليغ؛ هذه الآفة الخطيرة التي تأكل الأخضر واليابس في حياة المسلمين وتعكر صفو القلوب المطمئنة وتخرب البيوت الساكنة الآمِنة.

الخطبة بين أيديكم يا أكارم؛ فانهلوا منها ما شِئتم، أو جميعها.

مقدمة الخطبة

الحمد لله رب العالمين؛ القائِل في محكم التنزيل (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُون).

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله الأمين.

الخطبة الأولى

جاء الإسلام ليقيم أركان المجتمع على أساس إفشاء السلم الاجتماعي، وإقامة العلاقات بين أبناء المجتمع الواحد على أساس من المودة والرحمة والمحبة، وهذا أمرٌ لن يتحقق إلا إذا هيمن على الإنسان العقل الرشيد، والرأي السديد، وطهّر نفسه من نَّزعات الجاهلية التي كانت توقع العداوة والبغضاء وتشعل الحروب بين الناس، ومن أهم هذه النزعات الغضب المفضي إلى الجهل والأذى، لذلك كانت وصية النبي ﷺ لمن جاءه يسأله النصيحة أن قال له: «لا تغضب»، فردَّد مراراً. قال، « لا تغضب» ~ صحيح البخاري. كرَّرها النبي ﷺ ثلاثاً لعلمه بالأثر السيئ والعاقبة الوخيمة التي يتركها الغضب على من تملّك على عقله، وسيطر على تصرفاته، واستحكم على جنباته.

قال الراغب الأصفهاني، “النفس إذا اشتعلت غضبًا عميت عن الرشد، وصمَّت عن الموعظة، فتصير مواعظه مادة لغضبه، ولهذا حُكي عن إبليس لعنه الله، أنه يقول: متى أعجزني ابن آدم فلن يعجزني إذا غضب؛ لأنَّه ينقاد لي فيما أبتغيه منه، ويعمل بما أريده وأرتضيه”.

إنَّ الإنسان إذا وقع تحت تأثير الغضب وأفرط فيه، وقع في الحال المذمومة والعواقب الوخيمة في الدنيا والآخرة، فالغضب له أسوأ الأثر على دين الإنسان وعلى دنياه.

أمَّا أثر الغضب السيئ على دين الإنسان، فإنَّه قد يحمل المسلم على التلفظ بكلمات – وهو واقع تحت تأثير الغضب – تُخرجه من ملَّة الإسلام، أو يقدح إنساناً أو يقذفه أو يذمّه، فالغضب فلتة من فلتات الشيطان يُريد أن يوقع الإنسان في الذنب والإثم، مصداق ذلك ودليله: ما رواه مسلمٌ في صحيحه عن سلمان بن صُرد -رضي الله عنه- قال: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا تَحْمَرُّ عَيْنَاهُ وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» ~ ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَهَلْ تَرَى بِي مِنْ جُنُونٍ؟” صحيح مسلم.

قال في حضرة النبي ﷺ كلمة تضعه في مكان ضيقٍ، وباء بأسوأ ذنبٍ وأقبح إثمٍ، إذ لم يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ وحسب، بل جهر له بالقول كجهر بعضنا لبعض، والله ﷻ يقول لنا في كتابه العزيز، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، فكان الغضب سبباً في إحباط عمله.

وأمَّا أثر الغضب على دنيا الإنسان فكم من غضبٍ لم يملك فيه المرء نفسه، ففعل جرماً يُعاقب بسببه أسوأ العقاب، وكم من إنسانٍ غضب غضباً لم يتمالك فيه نفسه فطلَّق زوجته، وكم من إنسانٍ غضب غضباً لم يملك فيه نفسه فضرب أولاده وأهله، وكم من إنسانٍ غضب غضباً لم يملك فيه نفسه فهدمت علاقته مع جيرانه أو إخوانه أو أخواته، لتحلَّ قطيعة تحتاج إلى سنوات حتى تُرفع، وكم من إنسان سمح لغضبه أن يسيطر عليه فأدى به إلى ارتكاب جريمة نكراء كالقتل أو إيذاء الآخرين والاعتداء عليهم، فأصبح بعد سعة العيش وراحة البال، يعيش في الحسرة والندامة وعقوبة تنتظره في الدنيا قبل الآخرة.

وقد ضرب لنا رسول الله ﷺ وأصحابه من بعده أروع الأمثلة في علاج الغضب، فالنبي ﷺ كان أحلَم الناس، وارفقهم، لم يكن يغضب لأمر من أمور الدنيا، وهو الذي لاقى ما لاقاه من أذى الناس وحربهم إياه، ومع ذلك كان يعاملهم بالرحمة فيقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، وكان ﷺ لا يغضب إلا إذا انتهكت محارم الله ﷻ،  فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «ما ضَرب رسول الله ﷺ شيئاً قَطّ بيده، ولا امرأة ولا خادماً، إلاّ أن يُجاهد في سبيل الله، وما نِيْلَ منه شيءٌ قَطّ فينتقم من صاحبه، إلاّ أن ينتهكَ شيئاً من محارم الله، فينتقم لله ﷻّ» ~ صحيح مسلم.

وها هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه يأتيه رجلٌ يقول له: والله لأسبنَّك سبَّاً يدخل معك إلى القبر، فنظر إليه أبو بكر رضي الله عنه وقال له بنفس الواثق بالله المؤمن به، يدخل معك لا معي.

ولمَّا كان للغضب ما كان من سوء العاقبة، فقد شرع لنا النبي ﷺ مجموعةً من الخطوات التي تؤدي إلى علاجه، ومن هذه التوجيهات إفشاء السلام في المجتمع، فالسلام اسم من أسماء الله الحُسنى، والسلام هو تحيةُ الإسلام في الدنيا، وهو تحيةُ المؤمنين أهل الفوز والنجاة في الجنّة، وكان من توجيهات النبي ﷺ للناس قوله: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» ~ صحيح مسلم.

وإفشاء السلام لا يكون بمجرد التلفظ القولي، بل لا بدّ أن ينعكس سلوكاً عملياً على جوارح المؤمن، فيشعر أهله وجيرانه، وجميع من يتعامل معه بالأمن والطمأنينة والسلام، فلا يكون المسلم أسير نوازع غضبه، أو يخشى الناس معاملته اتقاء شرّه وغضبه، فإن هذا الصنف من الناس قال عنه النبي ﷺ: «إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنِ اتَّقَاهُ النَّاسُ لِشَرِّهِ» ~ موطأ الإمام مالك.

ومن أخلاق المسلم إن رأى ما يغضبه أو يزعجه، أن يجاهد نفسه ويكظم غيظه وإن كان قادراً على إنفاذه، وعليه أن يتذكّر بأن الشعور بالغضب وما ينتج عنه أمرٌ سلوكي يمكن السيطرة عليه بمجاهدة النفس وتدريبها على السكينة، وقد قال ﷺ: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، مَنْ يَتَحَرَّى الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ» ~ المعجم الأوسط للطبراني؛ وبيّن النبي ﷺ أن كتم الغيظ دليل على كمال العبودية لله ﷻ وتقواه، وحرية النفس وعدم انقيادها لفلتات النفس، فقال ﷺ: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» ~ متفق عليه، وكما قيل:

واتق الله فتقوى الله ما
جاورت قلب امرئٍ إلا وصل

ليس من يقطع طرقاً بطـلاً
إنا من يتقِ الله البطــل

وقد مدح الله ﷻ أولئك الذين يجاهدون أنفسهم عن أذية الغير أو الانتقام للنفس، ولا يستسلمون لثوران الغضب أن يمتلكهم، بل طالبهم الله ﷻ بدرجة أرفع من ذلك تتعدى كظم الغيض إلى درجة العفو والإحسان إلى من أساء، فقال ﷻ: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).

ووعد الله ﷻ من كظم غيظه أن يملأ الله ﷻ قلبه رضىً يوم القيامة، فلقد روى أبو داوود في سننه عن سهل بن معاذ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من كظم غيظاً وهو قادر على إنفاذه دعاه الله ﷻ على رؤوس الخلائق يخيّره من أي الحور شاء» ~ سنن الترمذي.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).

عباد الله: على من وجد في نفسه سرعة الغضب وشدّة الانفعال، أن يعلم بأن الغضب إن سيطر على صاحبه صار كالنار المشتعلة في الصدر، حتى تصبح أنفاس الغضبان كالمرجل، فيُغلق على عقله، ولا يسيطر على أفعاله وأقواله، لذلك كان من توجيهات النبي ﷺ أن يعمد المُسلم إلى إطفاء هذه النار بالوضوء، فيقول رسول الله ﷺ، «إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» ~ سنند أبي داود.

وكذلك يوجّه النبي ﷺ الغضبان إلى السكون وتغيير الحال من الوقوف إلى الجلوس أو الاضطجاع، فالغضبان في حال الجلوس أقدر على تمالك نفسه، والسيطرة على أعضائه، يقول النبي ﷺ: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس؛ فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع» ~ سنن أبي داود.

والحمد لله رب العالمين.

ختامًا إخواني؛ كانت هذه خطبة الجمعة مكتوبة، بعنوان: الغضب وآثاره السلبية على الفرد والمجتمع. وأوصيكم أيضًا بالاطلاع على خطبة «ثلاث منجيات» عظيمة ومؤثرة. فهي أيضًا ستفيدكم في تحضير خطبة الجمعة على وجة أكثر دقة ونجاعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: