حديث القرآن الكريم عن الصدق والصادقين

حدّد موقع أوقاف أون لاين خطبة الجمعة القادمة إن شاء الله تعالى، والتي جاءت بعنوان: حديث القرآن الكريم عن الصدق والصادقين. وهنا لكُل الدعاة والأئمّة مكتوبة “غير الرّسميّة”.

حديث القرآن الكريم عن الصدق والصادقين

الحمد لله رب العالمين على جميع ما قدر وقضى، وما وفقنا إليه وهدى، وما أراد لنا، الحمد لله على منحه ومنعه، والحمد لله على مِنَحِه ومِحَنه، والحمد لله على جميع ألطافه ما علمنا منها وما لم نعلم، والحمد لله الذي جعل للصبر أجراً، وللحمد في الميزان ثقلاً، وجعل كل ما يمر بنا من الألم زخراً لنا ندفع به ويلات يوم عظيم، وجعل لنا في الآخرة عوضاً وأجراً.

والصلاة والسلام على رمز الكمال وكمال الوجود، سيد الخلق الأحمد المحمود، الذي جعله الله سراجاً منيراً وهدى للعالمين ورحمة، وعلى آله الطيبين وأزواجه الكرام المطهرين، وصحبه الغر الميامين، وعلى كل من اتبعهم وصار على نهجهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين، ثم أما بعد:

فإن الله عز وجل الذي خلقنا هو الأعلم بما فيه صلاحنا وما يجب أن نسير على نهجه، ونتمسك به من القيم التي فيها نجاتنا في الدنيا والآخرة، والتي بها نبلغ العلى في دنيانا ونحقق الأمن والأمان عند الوقوف بين يدي الله عز وجل في يوم عظيم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

واليوم نحمد الله عز وجل أن قدر لنا البقاء واللقاء والاجتماع في رحاب بيت من بيوته المكرمة، في يوم من خير أيام الدنيا، لنذكر أنفسنا واخواننا بما ينفعنا في دنيانا ويكون زخراً لنا في عاقبة أمرنا، من تذكرة طيبة وعبرة لأولى الأبصار.

فاليوم اخوة الإسلام سيدور حديثنا حول (الصدق والصادقين) وثمار الصدق الطيبة في الدنيا والآخرة، فاسمعوا وعوا رحمكم الله.

قيمة الصدق وأهميته

لا شك أن الصدق من أرقى القيم الإنسانية والأخلاقية التي أعلاها الدين الإسلامي ونادت بها الشريعة الغراء ورسخت أسسها على كل المستويات، ولا عجب فالصدق أصل كل فضيلة والكذب أصل كل رزيلة، فمن علم من نفسه الصدق وانتهجه وسلك مسالكه، ولم يكن يفزع إلى الكذب ولم يعتد اللجوء إليه فإنه سوف يفكر ألف مرة قبل أن يهم بالذنب أو يتورط في المعصية، أو يتجرأ على حق من حقوق الله عز وجل أو حقوق خلقه.

في حين أن من عهد الكذب واتخذ منه مخرجاً فإنه لا يهاب الإثم ولا يزعجه التورط في الذنب، ولا يخيفه مواجهة العقاب، لأنه يرى في الكذب حيلة تنجيه ومخرجاً يخلصه من أي شيء، فلا يتورع عن الكذب وقد يبالغ في اتقانه ويتفنن في طرحه، فيستحل به ما حرم عليه، ويأخذ به ما ليس له بحق والعياذ بالله.

وإن من أهمية الصدق وأهمية الاتصاف به في القول والعمل والمعتقد أيضاً أنه لازم من لوازم الإيمان، ونتيجة من نتائجه، ودافع للتقوى وناتج عنها، فالصادق غالباً يتقي الله ويؤمن به، ومن يتق الله ويؤمن به يقوده إيمانه وتقواه إلى الصدق لكيلا يلبس إيمانه بقبح الكذب، وما جاء في هذا المعنى قوله جل وعلا: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}، كما يقول في موضع آخر: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ}.

الحث على الصدق في الكتاب والسنة

إن المتأمل في كتاب الله عز وجل الجامع المانع، الذي رسم للبشرية دروب نجاتها وسلامتها، وامتن على الخلق ببيان أسباب النجاة والفلاح في الدنيا والأخرة بين دفتي هذا الكتاب المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يجد أنه اشتمل على الكثير من الآيات المبينات التي تحض على التزام الصدق والتمسك به، وتبين أن فيه النجاة، وتحض عليه مراراً وتكراراً لترسخ قيمة الصدق وتغرسها في مبادئ المسلم رجلاً كان أو امرأة، صبياً أو كهلاً، حاكماً أو محكوماً.

يقول جل وعلا في محكم التنزيل في بعض آيات سورة التوبة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}، وفي ذلك أمر صريح ومباشر ونداء من الله للمؤمنين أن ينضموا إلى صفوف الصادقين، ويكونوا في زمرتهم، لينعموا بما ينعمون به من البركة والنجاة في عاجل أمرهم وآجله.

ومما يدفع المسلم إلى انتهاج الصدق دوما أن الله عز وجل نسب الصدق إلى نفسه، فالله عز وجل يصدق الحديث ويصدق الوعد والوعيد، وهو القائل في كتابه الكريم: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا}، كما قال في موضع آخر : {اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا}.

كما وصف أنبيائه بالصدق وامتدحهم به ليبين مدى قيمته ومنزلته بين مكارم الأخلاق فقال جل في علاه في الحديث عن نبيه وخليله إبراهيم عليه السلام: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا}، كما وصف اسحاق ويعقوب، ووصف اسماعيل عليهم جميعا أزكى السلام فقال: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا}.

أما السنة النبوية فقد استفاضت في الحديث عن الصدق وفضله، وبيان الكذب وقبحه ومما جاء في هذا الصدد عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي -ﷺ-  قال: إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا).

وقد علمنا النبي -ﷺ- أن الصدق يكون في جميع الأحوال حتى في المزاح فيقول فيما يرويه عنه ابن عمر -رضي الله عنه وعن أبيه-: (إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً).

كما وصفت السيدة عائشة -رضي الله عنها- النبي -ﷺ- ومحبته للصدق وكراهيته للكذب في حديث شريف فقالت: (كان أبغض الخلق إليه الكذب).

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم

الحمد لله رب العالمين، نستعين به ونستهديه، ونستغفره من ذنوب أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

والصلاة والسلام على نبيه خير الخلق وسيد الأنام، وعلى كل من استن بسنته وسار على نهجه، ثم أما بعد:

مَدْح الصادقين

إن الله عز وجل مدح الصادقين وأثنى عليهم وبشرهم بكل خير وبعظيم الأجر في الدنيا والآخرة، ومن ذلك ما جاء في الآية الكريمة: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).

ثم تحدث في موطن آخر عن المنافقين وبين أن الصدق لا يتأتى معه النفاق، ومدح المؤمنين الذين تبين صدقهم وظهر إخلاصهم ووعدهم بأجر عظيم وثواب كبير فقال في محكم التنزيل: (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23).

أما السنة النبوية المطهرة فقد علمتنا أن صدق النية يبلغ بالمرء مقام الشهداء والنبين، ويضمن له الأجر والعطاء من لن رب العالمين، ففي معرض الحديث عن الصدق في طلب الشهادة يروي   سهل بن حُنَيْفٍ -رضي الله عنه- عن النبي -ﷺ- أنه قال: مَنْ سأَلَ اللَّه تَعَالَى الشَّهَادةَ بِصِدْقٍ بلَّغهُ اللهُ منَازِلَ الشُّهَداءِ وإنْ ماتَ على فِراشِهِ. رواه مسلم.

وفي الختام

فإن الحديث عن خلق الصدق ومنزلته لا ينتهي والكلام عن فضله لا ينفد، ولكن هذا قليل من كثير من تذكرة نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بها، ويكتبنا عنده من الصادقين، اللهم آمين.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: