خطبة: أحكام الرُّقى وأصناف الرُّقاة

خطبة الجمعة مكتوبة , أحكام الرُّقى وأصناف الرُّقاة

وفي وقتنا وزماننا هذا -بل وفي كل زمان- تأتي أهمية مثل هذه الخطب المباركة؛ ومنها خطبة اليوم؛ بعنوان: أحكام الرُّقى وأصناف الرُّقاة. فلعلكم تلحظون ما آلَت إليه الأمور في هذه الناحية العبثية -ولا حول ولا قوة إلا بالله-. وهنا يأتي دور الخطباء والدعاة والعلماء في التوعية والنصح والتوجيه والإرشاد.

مقدمة الخطبة

الحمد لله الذي جعل القرآن للذين آمنوا هدى وشفاء، الحمد لله الذي بحكمته أنزل الدّاء، وبعدله وحكمته وفضله جعل لكلِّ داء دواءً، علِمه من علِمه وجهله من جهله.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من يريد بها النجّاة من عذاب الله يوم لقاه، ومن يريد بها الازدلاف إلى مرضاة الله، فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تأكيدًا بعد تأكيد، فهو الواحد القهار لا إله إلا هو يُحيي ويميت.

وأشهد أنَّ محمدًا عبدالله ورسوله وصفيه وخليله، نشهد أنَّه بَّلغ الرِّسالة وأدَّى الأمانة ونصح الأمَّة وكشف علينا من الدِّين الغُمّة وجاهد في الله حقَ الجهاد، صلَّى الله عليه وعلى آله وعلى صحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد؛ فيا أيها المؤمنون: اتقوا الله حق التقوى، عظموا الله، عظموا أمر الله، عظموا نهي الله، لتكن الدنيا في قلوبكم حقيرة، ولتكن الآخرة في قلوبكم عظيمة، فإن حقارة الدنيا وعظم الآخرة في قلب العبد المؤمن سبب السعادة في الدنيا والآخرة في قلوبكم عظيمة، فإن حقارة الدنيا وعظم الآخرة في قلب العبد المؤمن سبب السعادة في الدنيا والآخرة.

الخطبة الأولى

أيها المؤمنون .. قال الله ﷻ: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82)} [الإسراء]، وقالﷻ في القرآن: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت: 44]، فإن الله ﷻ جعل هذا القرآن العظيم هدى للمؤمنين، وجعل فيه الشفاء.

أنواع الشفاء في القرآن الكريم

قال العلماء: الشفاء في القرآن ثلاثة أنواع:

النوع الأول

الشفاء من أدواء الشبهات التي إن تسلطت عليه أضلته وصار سائرًا في الظلمات، والله- ﷻ- جعل هذا القرآن هاديًا للتي هي أقوم {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9]. فمن أراد السلامة من أمراض الشهوات ومن أمراض الشبهات فعليه بالقرآن فهو للذين آمنوا هدى وهو للذين آمنوا شفاء.

النوع الثاني

أن القرآن شفاءٌ لأمراض البدن بأنواعها، قال العلامة ابن القيم -رحمه الله-: ما من داءٍ إلا وفي القرآن شفاؤه علمه من علمه وجهله من جهله. وآيات القرآن عند أهل العلم فيها عجائب الاستطباب ومن عجائب التداوي بها ما لا يعلمه كثيرٌ من الناس.

فانظر مثلًا إلى ابن عباس رضي الله عنه كيف تلا على الذي كان به داء الرعاف الذي استطال به، كان طريقة دواء ذلك الداء عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كتب على جبينه آيات من القرآن وهي قوله تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَ يَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ} [هود: 44]، فشفى اللهﷻ ذلك المريض.

انظر إلى ذلك الرجل الذي أُصيب بسم من بعض ذوات السموم، فأتاه أحد الصحابة فقرأ عليه القرآن، فأبطل الله ﷻ ذلك السم وأثره، وقام الرجل سليمًا يمشي في الناس.

وهكذا، فالقرآن فيه شفاءٌ للأمراض البدنية، وقد عد العلماء من أنواع هجر القرآن التي تدخل في قوله تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (30)} [الفرقان]، عدوا من أنواع الهجر أن يُهجر القرآن فلا يُستشفى به.

النوع الثالث

أن في القرآن الشفاء من الأمراض النفسية، ومن العين؛ من عين الإنس وعين الجن، ومن السحر، ومن جميع تلك الأمراض التي قد لا تكون من جنس الأمراض البدنية.

وقد أمر النبي ﷺ أن يُرقى بعض أولاد جعفر لما رأى فيهم من أثر العين، وقد أمر عليه الصلاة والسلام بذلك، وقد رقى عليه الصلاة والسلام ورُقي أيضًا.

فالقرآن -إذن أيها المؤمنون- شفاء والرقية بالقرآن سنةٌ ماضية، فقد رقى جبريل عليه السلام نبينا محمدًا ﷺ، وقد رقى نبينا عليه الصلاة والسلام طائفة من الصحابة، ورقى الصحابة أيضًا؛ رقى بعضهم بعضًا، وهذا امتثالًا لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه».

فالرقية بالقرآن وبالأدعية النبوية الواردة فيها الشفاء بإذن الله، فهي سببٌ قد ينفع الله ﷻ به، والقرآن فيه الشفاء للمؤمنين؛ ولكن الظالمين لا يزيدهم إلا خسارًا.

أيها المؤمنون: لأجل هذا شاع في الناس بكثرة من يرقي الناس ومن يتلو عليهم القرآن وينفث عليهم طلبًا لشفائهم ورغبة في ذلك، وهؤلاء الذين يرقون الناس بالقرآن وبالأدعية النبوية هؤلاء محسنون؛ لكن جملة من يرقي الناس على ثلاثة أصناف:

  1. الصنف الأول: من يرقيهم وهو عالم بأمر الله، عالم بشرعه، عالم بمزالق الرقية وما تؤول إليه من الخير أو ما قد تؤول إليه من الشر.
  2. الصنف الثاني: صنفٌ جاهلٌ لا يعلم أحكام الرقية ولا ما يرقي به الناس ولا ما تؤول إليه الرقية، إذا رقى، فتجده يخوض غمرة ذلك بجهله وإعراض عن اتباع طريقة العلماء في ذلك.
  3. الصنف الثالث: من هو مشعوذٌ يتبع أساليب المشعوذين في القراءة، يظهر أن قراءته بالقرآن وبالأدعية، وهو في الحقيقة يستخدم طرقًا غير مشروعةٍ؛ ومنها أن يستخدم الجن في رقيته، في إعلامه بحال هذا المريض، وفي إخباره بما حصل له ونحو ذلك، فتجده يبذل للجن بعض ما يُسر به الجن ويستمتعون به لقاء ما يخبره به الجن.

وهذا الصنف من الناس من صنف المشعوذين، من صنف الذين يرقون برقية محرمة؛ لأنهم في ذلك قد استخدموا طرقًا ليس عليها الدليل من الكتاب والسنة.

وقد انتشر القراء في هذا الزمان وكثروا جدًا، حيث إن الذين يرقون كانوا في الزمن الماضي -زمن العلم والتوحيد، زمن انتشار نور العلم والسنة- قليلين ولا يرقون إلا الواحد بعد الواحد من قلتهم.

وفي هذا الزمان تجد الحدث من الشباب عهده بالفسق وعهده بالفجور وعهده بذلك قريب، فما تراه بعد سنة إلا وقد أصبح من القراء المشهورين، والناس إليه أسرابٌ إثر أسراب يطلبون رقيته بذلك، وليس ذلك على الله بعزيز؛ إذ التوبة تجب ما قبلها؛ لكن الرقية تحتاج إلى علم وتفتقر إلى السنة، وليس ذلك الزمن القصير بكافٍ لتعلم ذلك، ولهذا تسامع الناس من أولئك القراء بالعجب العجيب؛ من استغلال الناس، ومن الرقية غير المشروعة فبعضهم يستخدم الجن يزعم أنه يستخدم مسلمي الجن فيما يزعم.

وهذه البلاد طهرها الله ﷻ بالتوحيد طهرها الله ﷻ بأن لا يُرى فيها الشرك، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في كتاب «النبوات»، قال: إنّ نور العلم والإيمان والتوحيد إذا انتشر -في أرضٍ ضاق معه وجود الشياطين ووجود الجن الذين يستفيدون من الناس ويستفيد الناس منهم، فإنَّ الرقية سبيلٌ إلى ذلك، ولهذا نور العلم والإيمان؛ نور التوحيد إذا انتشر- في بلاد الله كان مُغنيًا عن ذلك، والجن والشياطين إنما تنتشر في البلاد التي يضعف فيها نور القرآن والسنة، واعتبر ذلك وانظر إليه في بلاد الله المختلفة تجد ذلك جليًا، وأكثر الناس فرعون كيف كانت أرضه ينتشر فيها السحرة الذين يستخدمون الجن كأعظم ما يكون من الاستخدام، وعندما ضعُف أمر التوحيد في قلوب الناس وضعفت حقيقة التوكل على الله حتى غدا التوكل على الله وتفويض الأمر إليه والصبر على البلاء الذي أنزله، حتى غدا في الناس ذلك غدا ضعيفًا، ظهر في الناس ما ظهر من أنواع الخروج عن العلم والسنة في باب الرقية.

انظر إلى حال كثير من البيوت كيف إذا ظهر في البيت نوع من المس ظن الناس أنَّ هذا من الأمراض فصار النساء يذهب بعضهن إلى كل من سمعت المرأة بأنه قارئ يقرأ، سواءٌ أكان كم أهل العلم المشهودين أو لم يكن، المهم أنه يُذكر اسمه وأنه قارئ، وبعض النساء يذهبن إلى كاهنات أو مشعوذات، وبعض النساء يذهبن إلى مشعوذين، وبعض أولئك القراء يرتكب مع النساء محرمات يتغيض منها قلوب أهل الإيمان، والناس يظنون أن رقية ذلك تنفع، وهو يرتكب حين يرقى من رؤية النساء ومن الخلوة بهن ومن مسهن ومن إثارة الشهوة فيه بما يمس منهن ما تسامع الناس به.

وسبب ذلك ضعف التوحيد في قلوب الناس، الرجل في بيته يتسامع بما تفعله زوجته بالذهاب إلى هؤلاء وبما يفعله بعض أقاربه من ذلك، وبما سيفعله أهله بالصغار، وهو في ذلك ساكتٌ وكأن الرجال ليسوا على قوامتهم مع النساء، الرجل يعلم ما لا تعلمه النساء خاصة في هذه الأمور؛ لأنه يسمع القرآن كثيرًا في الخطب وفي المحاضرات، وفي كلام أهل العلم، وفيما يُنشر من ذلك، فعليه أن يكون في ذلك ذا قوامة على أهله، فكيف يأذن بأن يسعى أهله في تلك المنكرات.

نعم.. الأمراض -أمراض النفس- كثُرت؛ من العين، ومن أمراض القلب، ومن أمراض الصدر -من ضيق الصدر-، ومما فرقوا فيه بين المرء وزوجه؛ لكن علاج ذلك يكون بالقرآن.

وأيضًا انتشار تلك الأمراض له سبب، وسببه الشياطين التي خيمت في كثير من البيوت، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلبٌ أو صورةٌ»، فانظر إلى ما شاع في الناس من انتشار الصور المحرمة في بيوتهم، ومن تعليق الصور على الجدران، وهو بإجماع العلماء من الكبائر، والملائكة الحفظة، ملائكة الرحمة تفر من البيت الذي فيه الصورة، وإذا فرت الملائكة دخلت الشياطين فعاثت في الناس، والله ﷻ حمى المؤمن بالخصوص والإنسان بعامة بالملائكة الحفظة قال ﷻ: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11]، يعني الملائكة تحفظ ابن آدم مما قد يصيبه حتى إذا أتى قدر الله خلوا بينه وبين ذلك، انتشر ذلك فانتشرت الشياطين في البيوت ولا حول ولا قوة إلا بالله.

قلت أو ضعفت أو انعدمت تلاوة القرآن في البيوت، والشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة؛ لأنه لا مكان له في مكان تقرأ فيه سورة البقرة، فكم تقرأ سورة البقرة فينا من بيت؟

الشيطان يفر من المؤمن الذي يديم الاستعاذة بالله يديم الأوراد والذكر؛ لأن القلب إذا خلا من ذكر الله تسلط وكان بيتًا للشيطان، وأما إذا عمر بذكر الله فرت الشياطين فإن الشيطان وسواسٌ ولكنه خناس، قال المفسرون: إذا ذُكر الله خنس وإذا غفل العبد أقبل.

فكم منا من يتلو الأوراد ويستعيذ بالله من شر الشياطين عند إقبال الصباح وإقبال المساء، وهي فترات انتشار الشياطين؟!

إن الرقى مشروعة وأكمل الرُّقية أن يرقي العبد نفسه متوكلًا على الله عالمًا أنها سببٌ، وأن الله ﷻ هو الذي أمر بهذا السبب، وأن القرآن شفاءٌ إذا أذن الله بذلك.

فليكن كلٌ منا متوكلًا على الله راقيًا نفسه راقيًا أهل بيته، ولا يجوز أن يتساهل الناس في هذا الأمر بأن يأذنوا لمن يرعونهم بأن يذهبوا لكل من هب ودب ممن يرقون؛ لأن كثيرين منهم؛ بل لأن الأكثرين منهم يرقون على خلاف السنة ويستخدمون ما جاءت السنة بإبطاله، قال شيخ الإسلام -رحمه الله- في كتابه «النبوات»: أولياء الله مع الجن مثلهم كمثل الأنبياء مع الجن؛ يأمرونهم بطاعة الله وينهونهم عن معصية الله، ويأمرونهم بالتوحيد وينهونهم عن الشرك، ويأمرونهم بطاعة الرسول وينهونهم عن مخالفة ذلك، وأما ما عدى ذلك فليس من صنيع أولياء الله. هذا معنى كلامه فتنبه لهذا.

والانتفاع بالرُّقية أكثر ما يكون من جراء أن يرقي أولياء الله الذين آمنوا وكانوا يتقون.

وليحذر الناس في هذه البلاد أن ينتشر الأمر ذاك من الذين يرقون على خلاف السنة، ومن الذين يستخدمون الجن، ومن الكهنة والمشعوذين والعرافين الذين يخبرون ببعض الأمر الغيبي الذي فات، وكذلك من السحرة وأمثالهم ممن أتوا إلى هذه البلاد، أو من أهل هذه البلاد الذين تعلموا على يدي أولئك فحمى الله ﷻ هذه البلاد من شر أولئك زمنًا طويلًا.

واليوم نرى ها قد انتشرت تلك الموبقات، وأولئك الذين مرقوا من الدين، نسأل الله ﷻ لنا السلامة، وأن يحمي هذه البلاد بالتوحيد، وأن يحمي أهلها من مزالق الشرك ووسائله وطريق المخرفين والمشعوذين، وأن يمن على الرجال بالقوامة الحقة التي منَّ الله بها عليهم شرعًا، إنه وليُّ ذلك وهو المسؤول وعليه التكلان.

واسمعوا قول الله ﷻ أعوذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)} [الإسراء].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم، أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب، فاستغفروه حقًا، وتوبوا إليه صدقًا، إنه هو الغفور الرحيم.

ونجِد هنا: خطبة عن واقع المسلمين اليوم.. الأسباب والحلول

الخطبة الثانية

الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدالله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد؛ فإنّ أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبدالله، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة، وعليكم بلزوم التقوى في سركم وعلنكم فإن بالتقوى رفعة مقامكم عند ربكم، فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.

أيها المؤمن اسمع لقول نبيك عليه الصلاة والسلام: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»، وقد قال عليه الصلاة والسلام أيضًا: «ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلكم من الإيمان حبة خرذل».

إن انتشار الذين يقرؤون على خلاف السنة، إن انتشار المشعوذين، إن انتشار الكهنة والعرافين والسحرة منكرٌ عظيم في بلاد المسلمين، فمن رأى شيئًا من ذلك أو علمه وتيقن منه، فإنه يجب عليه أن يبلغ أهل المسؤولية بذلك ولا ينفك من العهدة، وليحذر أن يعاقب من جراء سكوته على تلك المنكرات التي هي وسيلة إلى أن يظهر الشرك في بلاد التوحيد، في البلاد التي طهرها من مخالفة ومناقضة الشهادتين؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

فعلينا -أيها المؤمنون- القيام بذلك الأمر بأن سمعنا وتحققنا من خالف السنة في ذلك أو كان مشعوذًا أو كاهنًا أو ساحرًا لنبلغ عنه وذلك على سبيل الوجوب على أقلِّ الأحوال؛ إلا إن كان المؤمن لا يستطيع فالإنكار بقلبه ينجيه، ولكن في أحوالنا هذه ليس عذرًا في عدم التبليغ؛ لأن الحق أظهر من الباطل؛ ولأن الصولة في هذه البلاد ولله الحمد الحق، وأما الباطل فهو ذليلٌ حقيرٌ وزاهق بإذن الله، فقوموا أبها المؤمنون بهذا الواجب، وليحذر من لم يقم به العقوبة في نفسه أو في من يحب؛ لأن أولئك يضرون المسلمين بما ينشرونه، فاتقوا الله، وخافوا يوم لقاه، وقوموا في هذا الأمر أتم قيام لعلنا نكون من الممتثلين الناجين حقًا.

هذا واعلموا -رحمني الله وإياكم- أن الله ﷻ أثنى على الذين يتبعون أمره، وأمر أيضًا بالصلاة على نبيه فقال ﷻ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)} [الأحزاب]، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

هنا أيضًا: خطبة عن السحر والعين والمس والحسد.. الوقاية والشفاء

الدعاء

  • اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الذين، وانصر عبادك الموحدين.
  • اللهم إنا نسألك أن تُعلي راية الإسلام وراية أهله، وأن تُذل الكفر وأن تُذل أهله، يا قوي يا عزيز.
  • اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون لتحقيق كلمة التوحيد في كل مكان، اللهم انصرهم وأيدهم بتأييدك وقوهم بقوتك، فإنك أنت القوي العزيز.
  • اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ودلهم على الرشاد، وباعد بينهم وبين سبل أهل البغي والفساد يا أكرم الأكرمين.
  • اللهم إنا نسألك أن ترفع عنا الربا والزنا وأسبابه، وأن تدفع عنا الزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلادنا هذه بخاصة وعن بلاد المسلمين بعامة يا أكرم الأكرمين.
  • اللهم إنا نسألك أن توفقنا لتوبة نصوح قبل الممات.
  • اللهم لا تمتنا إلا وقد وفقتنا للتوبة، اللهم لا تمتنا إلا وقد وفقتنا للتوبة نلقاك بها وأنت راضٍ عنا وأنت أرحم الراحمين.
  • اللهم نسألك صلاحًا في أنفسنا وفي أهلينا وفي أولادنا وفي ولاتنا، وأنت أرحم الراحمين وأجود الأجودين.

عباد الرحمن {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)} [النحل]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على النعم بأعمالكم وبألسنتكم يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

وأقِـم الصَّـلاة..

وبعد؛ فقد قدَّمنا لكم إخواني -أعلاه- خطبة جمعة مكتوبة، حول أحكام الرُّقى وأصناف الرُّقاة. لفضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -جزاه الله خيرا-.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: