خطبة الجمعة القادمة: الحفاظ على المال وحتمية مواجهة الفساد “مكتوبة”

وكما اعتدنا اللِّقاء بمشيئة الله -تعالى-، مع خطبة الجمعة القادمة والتي حدّدتها وزارة الأوقاف بعنوان: الحفاظ على المال وحتمية مواجهة الفساد.

وهنا نضع لكم الخطبة “غير الرّسميَّة” لكل من يرغب بإثراء معلوماته حول الأمر. وفَّقكُم الله.

الحفاظ على المال وحتمية مواجهة الفساد

الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان، وهو الذي أنزل على عبده القرءان وجعل فيه هدى للخلق وبينات من الهدى والفرقان، وقدر على عباده الابتلاء بالفتن والمحن وجعل الخلاص والنجاة بين ثنايا القرآن، والحمد لله الذي أرسل إلينا في الأميين رسولاً من أنفسنا، كشف الله على يديه الغمة وأبان، وجعل في اتباع سنته والعمل بمنهجه كرامة الإنسان، والحمد لله الذي هدانا لفطرة الإسلام ووفقنا لكلمة الإيمان، ولم يبتلي قلوبنا بالجحود والنكران، والحمد لله أن امتن علينا بالفهم القويم والسير على الصراط المستقيم، والانتماء إلى نبيِّه الكريم.

والصلاة والسلام على خير الأنام محمد بن عبد الله، رسوله المصطفى ونبيه المرتضى، منقذ الأمة والداعي إلى الهدى، الذي تركنا على المحجة البيضاء التي لا يتبعها إلا الأتقياء والأصفياء والناجون ولا يزيغ عنها إلا أهل الأهواء والظنون، وعلى آل بيته الطيبين والمطهرين وأصحابه الغر الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين حيث لا ينفع المرء مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ثم أم بعد:

فقد مدح الله الذاكري والشاكرين، وحث عباده على التفقه في الدين، والتعلم والتفكر فيما حولنا، والسعي إلى الفهم ومعرفة ما يجري في عالمنا، وجعل لنا في مجالس الذكر والعلم أجراً عظيماً، فينتفع به من ذكر ومن تذكر، ومن علم ومن تعلم، وينتفع به من أمر بمعروف ومن اتمر به، ومن نهى عن منكر أو انتهى عنه، لذا جعل لنا يوم كهذا اليوم نجتمع فيه في ساعة كهذه الساعة حيث خطبة الجمعة المباركة ليتم علينا فضله ونعمه.

واليوم سيكون محور الحديث في تلك الخطبة عن موضوع من أهم محاور الحياة وأعمدتها والذي حظي بالعناية الشديدة من الشريعة الإسلامية المتكاملة، التي لم تدع جانباً إلا شملته وبينت أحكامه وضوابطه والتي بلغ من عنايتها به أن صار ضمن مقاصدها وبعضاً من أهم محاورها، وهو موضوع (الحفاظ على المال وحتمية مواجهة الفساد)، والذي يعد عماد الاستقرار الاقتصادي وأحد أهم ركائزه على مستوى الفرد والمجتمع على السواء.

ولعل المتمعن في أحكام الشريعة الإسلامية، والمتأمل فيها يتبين له مدى اهتمام الشريعة بقضية الحفاظ على المال الذي هو قوام الحياة وطلبها الأساسي ونجد ذلك قد اتخذ عدة مظاهر، ولعل مجرد تعريف المال يعكس أهميته فلفظة المال تشمل كل ما يتمول، ويكون وسيلة لاقتناء مستلزمات المعيشة، وقضاء المصالح التي لا تستقيم الحياة إلا بها، ولعل المال هو الوسيلة التي يحصل بها المرء على الصحة والسلامة والقوة والعلم أيضا وغيرها مما تسمو به حياة الانسان وتتحقق به انسانيته وتسمو به مكانته هذا بصفة عامة، أما المال في اصطلاح الفقهاء والشرعيين فهو كل ما يمكن حيازته وإحرازه والانتفاع به، كما يعرف بأنه كل ما له قيمة.

وقد ورد لفظ المال في القرآن الكريم في عدة مواضع وفي سياقات مختلفة منها ما يعظم حرمة المال، ويحث على التحري في كسبه والتعفف عن احرازه بطرق محرمة أو بدون وجه حق فمثلاً يقول عز وجل في معرض الحديث عن حرمة مال اليتيم وأكله بدون حق: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ… ﴾، كذلك ورد ذكر المال في معرض الحث على الصدقة وإخراجها للفقراء والمساكين وأهل الاحتياج عموماً ومن ذلك قوله عز وجل: (وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ)، ومنها ما ورد في معرض الحديث عن أهمية المال وقيمته الكبرى في حياة الانسان وأنه سبيل الراحة والاستقرار والسعادة واستمرار الحياة نفسها فيقول عز وجل: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا).

أما مظاهر حرص الإسلام على الحفاظ على المال والحث على ذلك فكثيرة ولعل أولها وأبرزها أن جعل المال في مقدمة ما يسأل عنه الإنسان ويحاسب عليه، وهذا ما علمنا إياه رسولنا الكريم في حديثه الشريف الذي يرويه ابنُ حِبَّانَ والترمذيُّ في جامِعِه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: “لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ” فلولا عظمة المال وأهميته وخطورته لما كان من أول ما يسأل عنه الإنسان.

كما نلمس تلك الأهمية في نبذ الإسلام للتبذير والمبذرين، والنهي عن إهدار المال فيما لا نفع فيه والذي يعد من صفات الحمقى غير الواعين بأهمية المال وقيمته، يقول عز وجل: (وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً)، وعلى الجانب الآخر حث على الاقتصاد وتدبير الإنفاق وامتدح المنفقين باعتدال الذين لا يبخلون فيدخلون دائرة البخل والشح وينالهم ذمه، ولا هم يسرفون ويبسطون أيديهم فتنالهم لعنة الإسراف وحسراته وفي هذا المعنى يقول جل في علاه: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً).

ومن مظاهر الحث على الحفاظ على المال التركيز على توثيق المعاملات المالية من الديون والعقود والإشهاد عليها، وعدم التهاون في حقوق الناس المالية لما لها من أهمية كبرى، لذا نجد أن الله عز وجل قد ذكر الدين وحث على كتابته في آية من أطول آيات القرآن الكريم، فقال في محكم التنزيل في أواخر سورة البقرة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ”

كذلك يبرز هذا الحرص في النهي عن إعطاء السفاء والحمقى الأموال بلا ضابط ولا رابط أياً كانوا، وقد جاء النهي واضحاً جلياً لا يحتمل الخلط ولا التأويل في قول الله عز وجل: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفاً)، كما أمر من تولى الوصاية على يتيم أو سفيه أن ينتظر حتى يبلغ رشده ويرى منه علامات الرشد والنضج والقدرة على إدارة ماله حتى يدفعه إليه ويترك له حرية التصرف فيه، وهذا من حرص الإسلام على مال اليتيم ومن لا يتمكن من الحفاظ على المال بنفسه ويحتاج وصياً يوجهه، يقول جل في علاه: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم} (النساء:6).

إذا كان هذا حض الإسلام للمسلم على الحفاظ على ماله الشخصي الذي هو ملك له وله صلاحية التصرف فيه، فمن باب أولى الحفاظ على المال العام ومال الغير، وعدم إهداره أو انفاقه في غير الوجوه والمصارف التي خصص لها، ولعل سيرة النبي الكريم وصحابته الأفاضل، وخلفائه الراشدين الذين صلحت بهم الدنيا واستقام بعدلهم أمانتهم حال البلاد والعباد مزدحم بالمواقف والتفاصيل التي أظهرت زهده وزهد خلفائه في المال العام، وحذرهم وتحريهم الشديد في انفاقه خشية أن يتهموا أو يحاسبوا على انفاقه في غير ما يرضي الله، فبلغ التعفف أنهم كانوا يعيشون أقسى لحظات الاحتياج والجوع وهم يملكون خزائن بيت مال المسلمين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم

الحمد لله الذي نور بهديه القلوب والدروب، وأنزل على رسوله الكتاب في أعجز أسلوب، وهدى العباد إلى الخير فإذا زلت الأقدام يرجون رحمة الله ومغفرة الذنوب، فهو أشد فرحا بمن يرجع إليه ويتوب، وهو بعلمه الأزلي يعلم ما في السموات وما في الأرض وما تنطوي عليه الغيوب، وأشهد أن لا إلاه إلا الله وحده وأن محمد رسول الله وعبده، وأصلى وأسلم عليه وعلى آله الأطهار، وصحبه الكبين والأخيار ما حل ليل وأعقبه نهار، ثم أما بعد:

بعد الحديث عن المال وعن أهميته في الإسلام ومدى حرص الشريعة الإسلامية على الحفاظ عليه والتنفير من إهداره سواء كان مالاً خاصاً أو عاماً ننتقل للحديث عن حتمية مواجهة الفساد ورفضه بكل السُّبل، ولعل من الجدير أن نعرف أن كلمة فساد تلك تشمل كل خلل في نظام إدارة حياة الانسان في تعاملاته وعلاقاته وغيره، وحين يتعلق الأمل بالدولة فإن الفساد يعني إعطاء الحق لمن لا يستحق، وسلبه من أهله، ووضع الأشياء في غير مواضعها، واتباع طرق ملتوية ضرها أكثر من نفعها في سياسة الأحداث وإدارة الموارد، فصور الفساد أكثر من أن تعد أو تُحصى.

أما آثاره السلبية فتشمل المجتمعات بأسرها والأفراد، ولا يوجد طرف لا يتضرر منه بما في ذك المفسد نفسه، فهو يدخل في دائرة المسائلة القانونية والأهم المسائلة الربانية التي تنتظره عند لقاء رب البرية وما أقساها لو يعلمون، فضلاً عن فساد حاله وضياع عياله وذهاب ماله وإن الأمثلة حولنا كثيرة والمصائر التي يؤول إليها المفسدون نعرفها بعين التجربة والمشاهدة.

أما أثرها على الفرد والمجتمع فنلمسه في تأخر العباد البلاد وتدهور الموارد والاقتصاد، والفقر والجوع الذي يعاني منه فقراء الأمة، والمرض والعشوائيات وتدهور كفاءة المؤسسات وغيره من النتائج السيئة التي تكتب فيها الكتب والمجلدات ويندى لها الجبين، ولعل من الفساد المالي أو الأخلاقي ما كان سبباً في هلاك بعض المجتمعات وهلاك أبنائها ونزول الأوبئة والأمراض الكوارث غضباً من الجبار، يقول عز وجل: (هل يهلك الا القوم الفاسقون) ويقول في موضع آخر:  (فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض).

وإدراكاً من المشرع الإسلامي وتعظيما لتلك الجرائم المتعلقة بالفساد فقد حثت شريعتنا الغراء على مواجهته ورفضه ومنعه متى أمكن ذلك، فعلى المسلم أن يواجه الفساد بكل قوته ومن خلال موقعه ومسؤوليته، يحاربه في أهله وفي عمله، ولا يخضع له ولا يقبله، بل ينبغي أن يكون حازماً وصارماً حين يلمح الفساد فيمن هم تحت إمرته ورعايته.

وإن شق عليه محاربته بالقوة أو القانون فعلى أقل تقدير وأضعف الإيمان أن ينكره بقلبه ولا يجاريه ولا يقبله، بل يقف موقف الناصح الصادق الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في حدود سلطاته وقدراته، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.

ولنعلم جميعاً أن القضاء على الفساد ومواجهته تحتاج جهود متضافرة وإرادة صادقة على مستوى الأفراد والمجتمعات، ولنعلم أن الله لن يغير حال قوم مسهم الفساد ونال منهم الظلم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فاستعينوا بالله على أنفسكم وأصلحوا نواياكم وتحروا الحق لتكونوا من الناجين.

نسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وممن يرون الحق فيسلكون دروبه ويعرفون الباطل فيجتنبوه

ومن الأرشيف أيضًا: مفهوم العرض والشرف

أضف تعليق