الإيمان بالله واليوم الآخر وأثره في السلوك

يتجدد “كالعادة وبإذن الله” موعدنا مع موضوع خطبة الجمعة القادمة، والذي تم تحديده من وزارة الأوقاف تحت عنوان: الإيمان بالله واليوم الآخر وأثره في السلوك. وهنا نضع لكم هذه الخطبة الغير رسمية “مكتوبة”.

الحمد لله رب العالمين كتب على خلقه الفناء وتفرد بالخلود والبقاء، وهو الذي بسط الأرض ورفع السماء، وكتب المقادير وعلم ما يجهر به الخلق وما يلفه الستر والخفاء، سخر بعض الخلق لبعض الخلق وفتن بعض الخلق ببعض الخلق، ولا يقع في ملكه إلا ما يشاء.

الحمد لله على نعمة الإسلام والحمد لله الذي لا يضيع عملنا هباء، ولا يذهب صبرنا هباء، والحمد لله أن جعل للرضا بأمره والتسليم بحكمه ثقلاً عظيماً في الميزان، وزيادة وقوة في الإيمان، وخلاصاً ينجو به الإنسان، والحمد لله أن بين لنا هذا وهدانا إليه وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله.

وصلاة وسلاماً على خير رسله ونبيه وحبيبه من خلقه ومصطفاه، محمد بن عبد الله، النور المبين والرحمة المهداة، الذي أضاء الله به ما بين المشرقين وما بين المغربين، وبعثه رحمة للثقلين، وكشف به الغمة وصلح به حال الأمة، وعلى من اهتدى بهديه واستن بسنته، وحمل من بعده لواء دعوته، من آله الأطهار وصحبه الأخيار، وعلى تابعيهم الأبرار وتابعي التابعين ما تعاقب الليل والنهار، وما صدحت الأطيار وتنزلت الرحمات بالأسحار، ثم أما بعد.

فنحن اليوم مجتمعين في بيت من بيوت الله وفي ساعة طيبة من ساعات يوم طيب مبارك، وقد حملنا على الاجتماع طاعته والتطلع إلى بلوغ مراضاته والفوز بجنته، لنذكر أنفسنا بعبادته ونحيي هدي الحبيب وسنته، ونتدارس بيننا من العلم ما ينفعنا في ديننا ودنيانا، وما يبلغ بنا بر النجاة وستكون تذكرتنا في هذا اليوم الطيب المبارك بعنوان (الإيمان بالله واليوم الآخر وأثره في السلوك) فتابعونا، وكونوا عباد الله ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

أما الإيمان بالله عز وجل فهو شرط الإيمان وركن العقيدة الركين، إذا انهدم أو طاله الشك فقد انهدم الإيمان واختل وانتفى من الأصل، والإيمان بالله عز وجل يقتضي الإيمان بوجوده ووحدانيته واستحقاقه جل وعلا للعبودية وتفرده بالإخلاص، وتوحده بالألوهية، بلا شريك ولا ولد ولا صاحبة.

كذلك ينطوي معنى الإيمان بالله عز وجل على الإيمان بصفاته وما يجب وما يجوز وما يستحيل منها، والإيمان بعدم مماثلته للخلق، واليقين أنه جل وعلا ” لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ( 11 )) فهو جل وعلا يخالف الحوادث في كل شيء، وليضع المؤمن نصب عينه قاعدة التفرد المطلق لله عز وجل “كلما يخطر ببالك فالله عز وجل خلاف ذلك”، كذلك الإيمان بطلاقة قدرته، وأزلية علمه، وحكمته وطلاقة ملكيته لكل شيء في السماوات والأرض مما نعلم أو لا نعلم، وأنه المالك لمقاليده والممسك بزمامه، والمتحكم بالأرزاق والآجال والأقدار يقول جل وعلا :”لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْء عَلِيمٌ ( 12 )﴾.

أما الإيمان باليوم الآخر فهو من تمام الإيمان بالله وشرط من شروطه، لأنه ينطوي على التصديق بالغيب والإيمان به بما بلغنا منه على لسان نبي الله “صلى الله عليه وسلم” أو بين طيات كتاب الله الحكيم.

الإيمان بالله واليوم الآخر في الكتاب والسنة

أما القرآن الكريم فقد تناول قضية الإيمان بالله واليوم الآخر بكل تفاصيلها وقضاياها الثانوية لأنها مناط العقيدة وأصلها، ولب الدعوة الإسلامية وجوهرها فمتى صلح الإيمان كان صلاح العمل مرجوا وتمامه متوقعاً، ونجاة المؤمن منطقية أما لو فسد الإيمان فكل عمل هو فاسد ولا رجاء في رحمة الله ولا منطق يمكن معه تصور الاستقامة.

لأجل ذلك وأكثر فقد جاء القرآن الكريم حاملاً لواء الدعوة إلى الإيمان بالله عز وجل، والحرص على غرسه في النفوس يقول جل وعلا في بعض آيات الذكر الحكيم: ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: 177].فهذا بيان للإيمان بالله واليوم الآخر وما يقتضيه هذا الإيمان ويكتمل به.

كذلك يقول الله عز وجل في بعض آيات سورة الكهف: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)، فالإيمان بالله واليوم الآخر هم الدافع إلى الخير والحامل على عمل البر.

أما قوله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) [النساء: 59]، فيرمي إلى قضية هامة تؤكد معنى الإيمان بالله وتحققه، وهو الرجوع إلى أمر الله واختياره وحكمه في كل ما يعرض للعبد من القضايا، ثم تتويج هذا اللجوء بتمام التسليم والرضا والخضوع لمقتضى إرادته وحكمته.

كما يوجد الكثير والكثير من الآيات المباركات التي شملت الحديث عن الإيمان بالله واليوم لآخر من عدة زوايا.

أما السنة النبوية فهي تسير على نفس الخط وتؤكد نفس المبادئ وتدعو إليها وتحض المسلمين على اتباعها، كما أنها تصب في نفس البوتقة وتدور في نفس الفلك حول الدعوة إلى الإيمان بالله في موطن، وبيان معنى الإيمان في موطن آخر، وبيان عظيم الأثر في الدنيا والآخرة في موطن ثالث.

ولعل أبرز الأحاديث النبوية المطهرة التي تناولت قضية الإيمان بالبيان والتفصيل حديث جبريل عليه السلام” مع خير الخلق والأنام، سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأذكى السلام والذي يرويه عمر بن الخطاب “رضي الله عنه ” فيقول: (عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينما نحن جالسون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبته إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال له: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: أخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان) ثم يبن له الإحسان، ثم يسأل النبي عن علامات الساعة وأشراطها إلى آخر الحديث الشريف.

وفي هذا الحديث توضيح وبيان لمعنى الإيمان بالله واليوم الآخر ومقتضياتهما، ودعوة ضمنية إليهما لما يعنيان من صلاح الحال والمآل.

مقتضيات الإيمان بالله واليوم الآخر

أما مقتضيات الإيمان بالله واليوم الآخر وما يوجبه على صاحبه فهي كثيرة العدد عظيمة الشأن، خطيرة الأثر في الدنيا والآخرة، ولعل مجملها العمل الصالح وترك الشرك ظاهره وباطنه وكل ما شابه شرك أو دخل تحت حكمه، والحرص على التقرب من الله عز وجل والبعد عن معصيته وتجنب التورط في الذنوب والمعاصي، وإن كان قد فرط الأمر ووقع الذنب فالتوجه إلى الله وطلب المغفرة منه واليقين بأن هناك رب عظيم يؤاخذ بالذنب أو يغفره يأتي كمقتضى من مقتضيات الإيمان بالله والإيمان بأن هناك يوم آخر ينتظر الجميع.

يوم تشخص فيه القلوب والأبصار، وتعرض فيه الأعمال ويكثر فيه السؤال عن كل كبيرة وصغيرة، يقول جل وعلا: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا).

أما السنة النبوية المطهرة فقد ساقت لنا الكثير والكثير من الأوامر والنواهي العظيمة الأثر والتي قدمت لها بكونها شرط من شروط الإيمان بالله ودليلا عليه، وجعلت منه محفزاً للالتزام وحاملاً على فعل الخير ومن ذلك مثلا قول النبي “صلى الله عليه وسلام” (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره) وقوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) كذلك قوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)، فقد قرن الإيمان بفضيلة من الفضائل ليؤكد الحض عليها ويعزز الحث عليها.

كذلك يقدم لأحكام أخرى وفضائل فيقول في حديث يرويه البخاري فيما يخص النساء: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة)، ويقول في موضع آخر وفي قضية أخرى: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث)، كذلك ما جاء في الحديث الشريف: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسأل طلاق أختها لتكتفئ ما في صحفتها) (رواه مسلم).

وهكذا الكثير والكثير من الآثار النبوية الشريفة التي ربطت بين الإيمان وبين بعض الفضائل والأخلاق من باب الحث والتحريض.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم

الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، وتطيب بذكره الأوقات، وتربو بشكره النعم والملذات، والذي يرحم ضعفنا ويستر الزلات ويمدنا بعون منها فنتجاوز العثرات، وعلي نبيه محمد أذكى السلام والصلوات، من أضاء به الله الظلمات، ونور البصائر والأبصار، وجعل في الصلاة عليه تفريجاً للكربات وبركة نبلغ بها الغايات ونحقق بها الأمنيات، وعلى آله الطيبين وصحبه الغر المحجلين والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ثم أما بعد.

فإن للإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر وما يعنيه هذا من اللقاء ووقوف العبد بين يدي ربه للمحاسبة، وما يعنيه من تحقق العواقب وتأكد وقوعها، وأن ما يزرعه العبد حتماً سيحصده أثر عظيم على سلوك الفرد وأعماله.

فمتى أيقن المؤمن أن له رباً يراقبه ويطلع على جميع أحواله، ويعلم جهره وسره، وأنه مطلع على نواياه وأفعاله وإن اختلى بنفسه ونأى عن أعين الناظرين فلا شك أن ذلك سيعظم عنده المراقبة لله عز وجل، وتقواه وإصلاح ما بينه وبين خالقه.

وكل هذا يترجم إلى سلوك طيب وراق فتراه يتحلى بالصدق في قوله والاتقان في عمله، والأمانة والبعد عن الخيانة والمخادعة والغش بأنواعه، لأنه يدرك حقيقة اطلاع الله على جميع أمره، فيستحيي أن يراه على معصية أو على ذنب.

وهذا ينعكس على قيامه بعمله وعلاقاته بالخلق، ومراعاة الله في حقوقهم بل الإحسان إليهم فتراه عضوا نافعاً وإيجابياً في مجتمعه يبني ولا يهدم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحسن إلى مجتمعه ودينه في كل حاله، فينصلح حاله وحال وطنه وترقى به أمته.

وفي الختام، أسأل الله أن يجعلنا من المؤمنين ويكتبنا في الصالحين ويجعلنا من المقبولين.

كانت السابقة: الوقاية خير من العلاج

أضف تعليق