الجرافيتي.. فن شوارعي يعكس الفقر والترف معا

الجرافيتي.. فن شوارعي يعكس الفقر والترف معا

للفن علاقته الحميمة بسيكلوجية النفس البشرية، ولذلك فإن مدارسه الفنية تعبر عن الاختلاف الكامن فيها مع أن الطاقة الإبداعية تبقى حاضرة عبر الزمن الفني والمراحل الفنية المختلفة، وذلك ما يفسر نسبيا توالد المدارس والاتجاهات الفنية المختلفة ومن آخرها فن الجرافيتي، وهو فن الشوارع الذي يعبر عن انزياحات النفس العميقة بالرسم على الجدران على نحو ما فعل فتى صيني بجدار مدرسته فكان أول من كتب سطرا في هذا النهج الفني كانت أول صرخة احتجاج تعلن ميلاد هذا الفن.

الجرافيتي يعكس أفكارا متمردة بلغة بصرية مذهلة تستوعب تفاصيل النفس البشرية

ريشة الفقراء

الرسم على جدران الشوارع ربما يبدو سلوكا فوضويا لا علاقة له بالإبداع. لكن هذه النظرة الأخلاقية لا يمكنها الانتقاص من القيمة الفنية للممارسات اللونية التي تترجم حركة الروح الفنية لمبدع الجرافيتي، ففيما يرسمه على تلك الجدران صداه وإيقاعه، ولعل من المفارقة أن يؤسس لهذه المدرسة فتى في المرحلة الابتدائية دون أن يكون هناك منهج إبداعي واضح في تلك البداية، قبل أن يتناوله الأمريكان ويكسبوه السمة العالمية.

وهو في تقديري أقرب الفنون لمعطيات السلوك البشري وعلم النفس، حتى إنه انتقل سريعا من ريشة الفقراء والمعذبين في الأرض إلى الأغنياء الذي جعلوا منه ترفا إبداعيا، وليس ذلك بيت القصيد وإنما المعنى الجوهري في ذلك انتقاله في السلوك البشري والتفاعل النفسي مع معادلاته الفنية.

قيود كلاسيكية

مجرد «الشخبطة» على الجدران تعتبر سلوكا بدائيا ومتخلفا، غير أن الغوص في التفاصيل يمنحنا قدرة مدهشة على استدراك القيم غير المنظورة في الأعمال التي اتخذت من جدران الشوارع لوحات ومعارض مفتوحة لكل موهوب.

فهو فن الشوارع لأنه مرسوم على جدرانها، كما أنه فن متمرد لأنه متحرر من القيود الكلاسيكية للعمل الفني، وهكذا أيضا هو فن مفتوح على كثير من الدلالات والمعاني التي تبدو من سطحها غير متصالحة مع ماهية فن الجرافيتي غير أنه في الداخل يحمل قيما من صميم تناقضات ومفارقات النفوس بجميلها وقبيحها، فهو يحاصر النفس ويحاكمها فنيا ويضعها في الواقع باستعادته لكل شفافية الإنسان ووضوحه على حقيقته الكاملة.

قريب من الحقيقة

خلاصة قصة الجرافيتي صرخة ميلاد بريئة لذلك الطفل الصيني الذي رسم أطول لوحة في مدرسته احتجاجا على مدرسته ومعلميه، هو بلا شك نوع من التمرد البريء والمسالم، ومحاولة إنسانية للتعبير عن سخط النفس وجنونها «العاقل».

وليس سهلا على الإنسان أن يتعرّى من داخله أمام الملأ غير أن الجرافيتي يمنحه فرصة أن يكون صادقا مع نفسه وقريبا من الحقيقة، فهو فن جريء في ذاته، لا يخاف فنانه من الوضوح والحقيقة المجردة والفضاءات المفتوحة، ففنان الجرافيتي مسالم في جوهره يعبر عن نفسه بما يشبه التمرد مع شيء من الخشونة التي ترفض تذويق الحقائق المتسخة بنفاق الإنسان، وذلك ما يجعله فنا راقيا وحقيقيا.

تراجيديا الصراع

فنان الجرافيتي هو الحقيقة التي قد يهرب منها الكثيرون، وهو أصدق ريشة يمكن أن ترسم توهج النفس واحتراقها في جحيم الواقع حينما يكون مشحونا بالغبن والمأساة، أو ترفها وهي تسعد في النعيم، فهو واقعي أكثر منه تخيلا لتراجيديا الصراع خيرا أو شرا.

وذلك يجعله مشحونا بطاقة فلسفية تبحث في الأعماق وتضعها للناس في إطار بصري يكشفهم دون أن يترك لهم فرصة الهرب مما هم عليه أو ما قد يكونون عليه، لأن حقائق المواقف الإنسانية تتجلّى في كل دلالات اللوحة «الشوارعية» ما يجعله مرآة عاكسة للأشياء تعبر عن كل من يرى نفسه بطريقته حتى ولو كان للفنان المبدع رؤية مختلفة واتجاه مغاير لأنه في الأصل يمتلك الأدوات الضرورية لعكس مجريات النفس.

فالجرافيتي فن كوني بامتياز، وقابل للتفسير والفهم بكل الدلالات والإشارات واللغات، إنه فن يحتضن مفارقات النفس أيا كانت بدرجة نقاء أعلى من تسلق أسوارها والهرب من حقيقتها، فقدراته الاستكشافية تمنحنا إضاءة ساطعة لننظر داخلنا إما سعدنا أو مارسنا الهروب وإشاحة النظر، رغم أن المتأخرين من ممارسي هذا الفن ابتذلوا في مقاصده ولكن ذلك لا ينتقص من قيمته الفنية الراقية حد الإبداع لوحة أو كتابة.

بقلم: سكينة المشيخص

على الجانب الآخر.. هنا:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى