استقبال شهر رمضان المبارك روحانيًا واجتماعيًا

استقبال شهر رمضان

“مرحب شهر الصوم مرحب، لياليك عادت بأمان” إذا تنامى إلى سمعنا هذه المقطوعة من الأغنية الشهيرة عن شهر رمضان، فإننا نوقن بهلول شهر رمضان الكريم، نسعد له، ونستقبله بحفاوة وفرح شديد لا نعهده في غيره من الأيام الأخرى.. فجأة نرى الأسواق تضج بالمنتجات الرمضانية، وتُزين الشوارع، وتُعلق الفوانيس، وتنصب الموائد في الشوارع، ويستعد الأهالي لخوض الأيام المباركة من شهر رمضان.

لكن قبل أن نتكلم عن استقبال شهر رمضان، ما شهر رمضان؟ ولماذا يحظى بالمكانة الجليلة في نفوس المسلمين؟

شهر رمضان هو فرصة لكل المسلمين، ولا أبالغ إن قلت للناس أجمعين، لأن شهر رمضان يضفي السعادة على نفوس المسلم، وبالسعادة تأتي الرحمة ويغيب الحقد من النفوس، وبالرحمة التي تتنزل في نفوس المسلمين، تعم السعادة على الناس أجمعين.

لكن إذا عدنا إلى كون رمضان هو الفرصة للمسلمين، فإنه فرصة يتقرب فيها الناس من الله بالعبادة، والاجتهاد في العبادة، وعادةً “بالنسبة للرجال” تكون الأعمال قليلة في شهر رمضان، فلا يشغلهم عن العبادة شاغل، ويعوضون ما فاتهم منها في الأيام الأخرى، لذلك فإن السعادة الأولى في نفوس المسلمين تكون سعادة بفرصة مجيء شهر رمضان وهم على قيد الحياة.

في ليالي رمضان تتنزل الرحمة في قلوب المسلمين، فيصلون أرحامهم بالعزائم التي لا تنقطع طوال شهر رمضان، ويكثرون من صدقاتهم، والموائد التي يشترك فيها الناس تظل دائمًا رمزًا جميلًا لعطف الغني على الفقير، ورحمته به، وفي ذلك سعادة أخرى نستقبل رمضان بالحفاوة في سبيلها.

وكل ما أشرت إليه يدل على أن شهر رمضان فرصة للمسلمين روحانيًا واجتماعيًا، لذلك فإنا نسعد بقدومه، ونستعد لاستقباله بحفاوة وغبطة، ونتمنى ألا ينتهي أبدًا، ونعد له عدته قبل مقدمه بأيام طوال، ولذلك “أيضًا” يحظى بمكانته العالية في قلوبنا، فهو كالهدية من عند الله للمسلمين فيه الكثير من الخير والبركة.

استقبال شهر رمضان روحانيًا

إن الاستقبال الروحاني لشهر رمضان هو أساس الغبطة والسرور والرضا الذي يخالج القلب عند حلول الشهر الكريم، فشهر رمضان فيه من الغنائم الكثيرة التي وعد الله بها ما يجعل المسلم لا ينشغل عن الله بشيء، بل يجتهد في رمضان، وقبل قدوم رمضان بقليل، في عبادته، والتبتل إلى الله بأنواع العبادة، حتى يتقرب منه، ويفوز بما وعده الله به، من الجنة التي أعدت للصائمين، والخيرات والرزق، كل ذلك يجعل من استقبال شهر رمضان روحًا جديدًا تُضفى على النفس، كأن المسلم بمجيء الشهر الكريم يقول “أخيرًا، منحني الله فرصة أخرى لتعويض ما فاتني”.

الحياة فتنٌ وشهوات، وفي هذا الزمان، وقد خلا من مبادئ كثيرة، يزداد تمسك الناس بالفتن والشهوات، حتى دون أن يدري الإنسان أنه ينزلق إلى الهاوية، فمن رحمة الله أن يهبنا مثل هذا الشهر، شهر فيه الخير والبركة، ولا يطلب الكثير، يطلب الإيمان فقط، يطلب التقوى، وبالإيمان والتقوى يستعيد الإنسان المسلم روحه التي فُطر عليها، وهي روح الهدوء والاستسلام الكامل لله “عز وجل.

قال “تعالى” (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). والتقوى كلمة مجمعة لشمائل كثيرة، فصلها الله لنا في مواضع أخرى، وكان سيدنا محمد “صلى الله عليه وسلم” المخوَّل لتفصيل شمائل هذه الكلمة.

التقوى هي العبادة الصالحة، التي يتخللها النية الخالصة لوجه الله “سبحانه وتعالى” والعبادة يعني الصلاة التي يجب تأديتها في وقتها، وأن يترك المسلم على عتبة المسجد الذي يصلي فيه همومه التي شغلته عن الآخرة، وقراءة القرآن الكريم، الذي أصبح مركونًا لا يُنظر إليه ولا يُلتفت ناحيته، رغم أنه مليء بكل ما يتوجب على المسلم أن يعرفه، وما يتوجب أن يعمق معرفته به، وهو خير معين في الدنيا، فيه النصائح والدروس والعبر التي تجعل من الحياة هينة لا تساوي في عين المؤمن ذرة تراب، إلى جانب الذكر الحكيم الذي يتلوه المسلم فينأى بقلبه عن همومه، ويتخلله الغبطة والسرور، كأنه طيرٌ حر في سماء الله ورحابه. وغير ذلك من العبادات التي تحمل للمسلم الفوز، لا الخسران، والمسلم يجد في رمضان الفرصة السانحة لتأدية هذه العبادات على أكمل وجه، ويقلى جزاءها الجنة، والرزق، والبركة، حتى بعد انقضاء شهر رمضان.

كل ذلك يجعل استقبال شهر رمضان مليء بالحفاوة، والسعادة النفسية والروحانية، والرضا لمجيء هذا الشهر الكريم. وكل ما قلته قليلٌ إذا ما قورن بما يتوفر للمسلم في شهر رمضان من النعم والخيرات، ولكن أحاول أن أبين لماذا يجب استقبال شهر رمضان على أتم استعداد وعزم وإصرار على ألا يضيعه.

استقبال شهر رمضان اجتماعيًا

لكل أمة إسلامية عادات وتقاليد في استقبال شهر رمضان، رغم أن كل أمة قد تختلف كثيرًا أو قليلًا في عاداتها واستقبالها لشهر رمضان، إلا أن هناك عادات لا تنقطع أبدًا بين الناس في رمضان، يستقبل بها الناس الشهر، ولا ينقطعون عنها، بل تتوافد بتوافد الأجيال، ولا تتغير بتغير الفكر في كل جيل، بل يزيد الابتكار فيها، الابتكار بشكل يلائم العصر والحياة، فإننا إن تتبعنا الكثير من الأشياء التي بدأت في رمضان في العصور السابقة، نجدها قد اتخذت شكلًا جديدًا في العصر الحالي، شكلًا مبتكرًا ولكن لا يخلو من البهجة بمقدم الشهر الكريم، وكل ذلك استقبالًا للشهر الكريم.

ونحن الآن على مشارف قدوم شهر رمضان، أول ما نلاحظه من مظاهر لاستقبال شهر رمضان في المجتمع، هو الدعايا الإعلامية والإعلانية، التي سرعان ما تضج أولًا بالإعلان عن المسلسلات والبرامج التليفزيونية، ثم قبيل قدوم الشهر بأيام، تُعرض الأغاني التي تعودنا سماعها لاستقبال الشهر الكريم.

ثم نلاحظ تكاتف الشباب والأطفال في الشوارع والحواري وفي كل جانب من البلاد، يشرعون في تعليق الزينة المبهجة، التي لا تظهر إلا في شهر رمضان، والفوانيس التي يبتاعوها الأطفال ويلهون بها في الشوارع حتى قبيل الفجر بقليل.

والأسواق التي تضج بالمنتجات الرمضانية، والكنافة والقطائف التي لا نراها إلا في رمضان، ويشرع الكبار في شراء المنتجات ويبتكرون في صنعها حتى تلائم شهيتنا ولا ننقطع عنها طوال الشهر.

وموائد الرحمن، التي ما إن تُثبت الرؤية حتى يشرع الناس في وضعها في الشوارع، وهي موائد طوال توضع للفقراء حتى يتوافدون عليها ويفطرون فيها، ويشيع الود والتآلف بين طبقات المجتمع، والموائد رمز للرحمة التي تتنزل من عند الله على القلوب في هذا الشهر الكريم.

والبيوت التي تمتلئ طوال الشهر بالأقارب التي قطع وصالهم الأيام، فالإفطار لا يحلو إلا بقرب من نحبهم ونكن لهم المودة والحب، وكل ذلك من قبيل السعادة التي تضفى على قلوبنا بمقدم الشهر الكريم.

استقبال شهر رمضان له رائحته المميزة التي لا تختلف باختلاف الأزمان، رائحة تمتلئ بها أرواحنا ونسعد بها، ونهرع إلى استقبالها على الجانبين الروحاني والاجتماعي، ونتفانى في استغلال هذا الشهر الكريم، الذي وعد الله فيه بالكثير من الغنائم والخيرات، كأنه جنة على الأرض، إن فعلت ما تؤمر فيه فستنال ثوابه برحمة الله “سبحانه وتعالى” وإن لم تفعل ما يتوجب عليك فعله في أول رمضان، فإن من رحمة الله أنه جعل العشر الأواخر من الشهر فرصة أخرى داخل الفرصة لكي يستعيد الإنسان توازنه وروحه.

رمضان على الأبواب، فأحسنوا استقباله.

أضف تعليق