التعريف بأحكام زيارة القبور

التعريف بأحكام زيارة القبور

يقول الله ﷻ: {ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون} (التكاثر: 1-4)، وفيه وقفات لابد من ذكرها:

أولا: كانت زيارة القبور في صدر الإسلام منهيا عنها، ولعله سدا للذرائع، لسلامة العقيدة لقرب العهد من الجاهلية، فلما تمكن التوحيد في قلوب المسلمين أُذن لهم بزيارة القبور، فلمسلم وغيره، عن رسول الله ﷺ: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها لتذكركم زيارتها خيرا…» الحديث، وفي رواية لأحمد: «نهيتكم عن زيارة القبور ثم بدا لي أنها تُرِقّ القلوب وتدمع العين فزوروها ولا تقولوا هجرا» وللحاكم «فإن فيها عبرة» وفي رواية: «فزوروها فإنها تذكركم بالموت».

ثانيا: عدم إباحة السفر من أجل زيارة القبور لما ورد في الصحيحين: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى» فالقبور أولى ألا تشد لها الرحال، ولأن السفر للعبادة قصد، والقصد حج، ولم يأمر الله بالحج إلا لبيته، ولم يأمر به النبي ﷺ ولم يفعله الصحابة ولا التابعون، وهو من عادات الجاهلية، ففي كتاب: «حجة الله البالغة للأحناف»: «كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها ويتبركون بها وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى، فسد النبي ﷺ الفساد لئلا يلتحق غير الشعائر بالشعائر ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله».

ثالثا: ولا يُزار قبر غير المسلم لقوله ﷻ: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون} (التوبة: 84)، ويستثنى ذوي القربى لما روى الحاكم (1385) وغيره: «ألا فزوروها فقد أذن الله ﷻ لنبيه ﷺ في زيارة قبر أمه» ولا يُمنع كافر من زيارة قبر المسلم للاعتبار ورجاء الهداية، ولعدم النهي عنه.

رابعا: لا يُعلم حقيقة بقبر نبي من الأنبياء إلا بقبرهﷺ، أما أهل بيته رضي الله عنهم فعلي -رضي الله عنه- قيل إنه في النجف، وقيل إنه نقل إلى مزار شريف بأفغانستان، والمعروف لدى أهل العلم أنه دفن بقصر الإمارة بالكوفة خوفا أن يُنبش قبره. وكذا الحسين -رضي الله عنه- فقد دفنه من معه في مكان مجهول خوفا عليه من مقاتليه، وكذا ما يقال في رأس الحسين المزعوم أنه في القاهرة فقد ذُهب به إلى المدينة ودفن بجوار أخيه الحسن، ولا مسوغ لدفنه بالقاهرة. وكذا ما ينسب في الشام إلى أم كلثوم ورقية رضي الله عنهما والصحيح أنهما توفيتا بالمدينة في حياته، وكذا قبر علي بن الحسين المذكور بمصر والصحيح أنه توفي بالمدينة. ولعل الجهل بقبورهم تطهير لأهل البيت من أن يكونوا أوثانا لمشرك يدعوهم من دون الله؛ لقوله ﷻ: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} (الأحزاب: 33)، وقوله ﷻ: {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا} (الكهف: 102).

خامسا: في آداب الزيارة روى مسلم: «كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا دخلوا المقابر فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، إنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية». وفي سنن النسائي الكبرى وغيره قال: «سلام عليكم دار قوم مؤمنين وأنتم لنا فرط، وإنا بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم».

سادسا: لقد ورد النهي للنساء عن زيارة القبور، ففي المستدرك وسنن الترمذي وابن ماجة والبيهقي ومصنف عبدالرزاق وغيرها: «لعن رسول الله ﷺ زورات القبور والمتخذين عليها مساجد والسرج» رواه الإمام أحمد والخمسة وصححه الترمذي. واللعن هو الطرد من رحمة الله والعياذ بالله، والنهي إذا قُرن باللعن فهو من الكبائر، ولا أعلم بإباحة ما لُعن، وأما ما ورد في المسند وصحيح مسلم وغيرهما في حديث طويل عن عائشة رضي الله عنها قال لها ﷺ: «إن ربك جل وعز يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفري لهم، قالت: فكيف أقول يا رسول الله؟ فقال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين, ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون» الحديث، فلعله في فترة الإباحة أو خاص بأم المؤمنين رضي الله عنها لقوله ﷺ «إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع» والله ﷻ يقول: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن} (الأحزاب: 32) والله سبحانه يختص من يشاء بما يشاء، والله أعلم.

سابعا: أحكام زيارة القبور وهي بين المشروع وغير المشروع بل المحرم، وهي ثلاثة أقسام:

  1. القسم الأول: زيارة من يدعو للأموات، أي من أراد فيها الاتباع والعبرة، لا الابتداع، والسلام على أهل القبور والدعاء لهم بما ورد في الكتاب والسنة، فهذه زيارة مشروعة مأجورة.
  2. القسم الثاني: زيارة من يدعو بالأموات، أي يتوسلون بهم ويتخذونهم شفعاء وقد بين الله أمرهم: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض ﷻ عما يشركون} (يونس: 18). وهذه زيارة شركية محرمة غير مشروعة.
  3. القسم الثالث: زيارة من يدعو الأموات، أي يطلبون من الموتى بذاتهم ما يجب أن يطلبوه من الله ﷻ ويستغيثون بأسمائهم، والله ﷻ يقول: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون} (الأعراف: 180). فكفروا بتوحيد الأسماء والصفات لدعائهم بأسماء الأموات، كما كفروا بتوحيد الألوهية لدعائهم غير الله، وكفروا بتوحيد الربوبية لاعتقادهم بأن غير الله يخلق ما يطلبون ويمدهم بما يُريدون، فهم يطلبون المدد والشفاء والرزق والبركة والولد وغير ذلك، خلافا لقوله ﷻ: {إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون} (العنكبوت: 17)، وتلك زيارة شركية محرمة غير مشروعة، والله أعلم.

بقلم: د. حسين بن محمد بن عبدالله آل الشيخ

وفي سياق متصل.. تجِد أدناه:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى