عبرة وعظة من سورة الكهف

القرآن الكريم , سورة الكهف , Koran , صورة

إن الله أنزل علينا القرآن الكريم وجعل فيه الهداية والشفاء من العلل، فهو خير كله لمن أخذه بقوة وتدبر معانيه وعمل بمقتضاه، غير أن بعض السور خصت بمزايا لم تعط لغيرها، ولها فضل كبير، ومن تلك السور الكريمة، سورة الكهف، فقد ورد كلام في فضلها واستحباب المواظبة على قراءتها كل جمعة.

سورة الكهف

ومن الأثار الدالة على استحباب قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، والتي تبين الثواب العظيم لهذه السنة قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدميه إلى عنان السماء، يضيء له يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين).

ومن فضلها كذلك أنها عصمة من فتنة الدجال، ومما دل على ذلك ما ورد عن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أنه قَالَ: «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ».

فضلا عن ذلك فإن سورة الكهف من السور التي نقلت لنا قصص السابقين وأخبارهم، وحملت إلينا من العبر والعظات الغالية والقيمة جدا، والتي تعلمنا بعض الخبرات التي تستقيم بها الحياة وينصلح بها حالنا، وهنا سنعرض قبسا من تلك العبر والدروس.

ففروا إلى الله

من العبر والدروس التي خلدتها سورة الكهف من خلال قصة أصحاب الكهف أنه يجب على الإنسان إذا أحاطت به الفتن وسدت في وجهه سبل الهداية والخلاص، وتجاذبته أيادي الضلال أن ينسلخ من كل ذلك، ويفر بدينه، وينجوا بنفسه من هذا الوسط، في حال عجزه عن تغيير تلك الظروف أو دفع ضررها عنه، وهذا ما فعله أصحاب الكهف، فقد بدأوا دعوة قومهم إلى الله عز وجل فلما لم يجدوا إلا الصد والرفض، وكانوا مستضعفين لا يملكون سلطة التغيير والتأثير.

فلجأوا إلى الفرار بدينهم حتى لا تطولهم الفتنة ويمسهم الضلال، ويقول القدوس عزَّ وجل فيهم: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا(14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا(15) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (16)).

اقرأ هنا أيضًا: لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم

تحصين النعمة

من الدروس التي تعلمنا إياها سورة الكهف كيفية تحصين النعم، وما يجب أن يقوله المسلم حين تقع عيناه على ما يسر نفسه من نعم يمتلكها، والأمر يشمل المال والولد والصحة ونحوها من الأشياء المبهجة، وهذا ما نستنتجه من قصة صاحب الجنتين التي ساقتها لنا السورة الكريمة.

حيث يقول الله في ذلك: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا ۚ وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) إلى قوله تعالى: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ)، وهذا ذكر ينبغي أن يحفظه المسلم ليبارك الله له في نعمه، وحتى لا يأخذه العجب بها فتهلك نعمه بإعجابه واغتراره بها.

تقديم المشيئة قبل النية للقيام بأي عمل

تعلمنا درسا طيبا آخر من سورة الكهف وهو أن تقديم المشيئة الإلهية عند حديثنا عما نخطط له أو ننوي القيام به أمر مستحب، وفيه معنى التوكل على الله وإرجاء الإمر إليه ومعنى التسليم بما تقتضيه إرادته وحكمته عز وجل، وفي هذا ما فيه من راحة القلب وسعادته واكتمال إيمانه، فضلا عن حلول البركة بالعمل وتيسيره.

بينما يعتبر الجزم بعمل الشيء دون تقييده بالمشيئة وإذن الله نوع من التعدي، وسوء الأدب مع الله وهذا ما نستنجه من قول الله عز وجل: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا).

أضف تعليق

error: