المساجد أطهر بقاع الأرض وعمّارها هم الرابحون

المساجد أطهر بقاع الأرض وعمّارها هم الرابحون

لمّا كان الحبيب ﷺ خير العُبّاد أخذه ربه في رحلة أرضية سماوية أراه فيها عجائب المخلوقات العلوية، وأسجدة في حضرة العزة الإلهية، ومنحه وسام العبودية.

رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله

ثم تجلى ربنا ﷻ ليُسجل ذلك قرآنا يُتلى فقال ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ لتعلم أن المسلم في هذه الحياة يبدأ دومًا في معيّة الله وينتهي في رِحاب مولاه؛ فإذا أراد أن يبدأ بدأ في مسجد وإذا أراد أن ينتهي انتهى في مسجد، فنحن نبدأ تكوين البيت المسلم وفق سنة الحبيب ﷺ «أعلنوا النكاح واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدف»، لماذا؟ ليشهده كل راكِعٍ وساجد، الذين تمتلئ بهم المساجد.

فإذا أردت خير من سعى إلى ذي العِزة والجلال فاعلم أن الله اصطفى من خلقه رجال، ﴿رِجَالٌ لّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾؛ أين نجد يا عزيز يا قهار؟ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾.

ماذا نرى يا ربنا إذا دخلنا؟ ترى مشكاة. ما هذه المشكاة؟ مشكاة من نور الله. من أين تضيء؟ من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية. ما لون زيتها؟ ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء﴾.

فعجبا لأُمةٍ تتنزل عليها أنوارها، من فيض عطاء ربها في بيوت أذنٍ الله بها؛ كيف لا تمتلئ بهم المساجد!

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

عُمَّار المساجد

أي مسجد لنا؟ بيت الله. وما بيت الله؟ الأرض أرضه، والخلق خلقه، والملك ملكه، والأمر أمره، والهداية من عنده، يوفق من شاء على الأرض التي شاء وبالمال الذي شاء ليبني لله بناء يتقبله رب الأرض والسماء. فإذا كان العبد لله مُخلصا، بنى لربه مسجدا.

أيُّ مسجدٍ؟ أنت تبني على قدرك وربك يعطي على قدره. والله من عظيم فضله رضي لعباده القصور والقلاع والدور واختار لنفسه المساجد ولو كمفحص قطاة يقبله منك الله.

الحبيب المصطفى ﷺ يقول لي ولك إذا أردت أن تتخيّر زوجا فانظر في المساجد، إذا أردت أن تربي ولدا فانظر في المساجد، إذا أردت أن تتخذ صاحبا فانظر في المساجد، إذا أردت أن تختار مُعلما فانظر في المساجد، إذا أردت أن تفوّض في أمرك وكيلا فكفى بربك الذي شرع المساجد وقبلها وكيلا.

ولأهل الاختصاص هنا: خطبة: المسجد.. مكانته وآدابه ودوره في المجتمع

أهمية المساجد وعمارتها

الحبيب المصطفى ﷺ يقول من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله «ورجل قلبه معلق بالمساجد». إذا خرج منها حتى يعود إليها.

«إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان»، لماذا؟ لأنه خضع لربه، علم جلال ربه، علم عطاء ربه، علم أن البيت بيت الله، وأن الخلق خلق الله، وأن الأمر بيد الله، فلما أعوزته الحاجة وأعيته الحيلة تبتل لله ﷻ وعفَّر وجهه في التراب، طاعة للعزيز الوهاب؛ يستمد الله بأسبابٍ وبغير أسباب. يعلم أن الله يرزق من يشاء بغير حساب.

ولذلك الحبيب المصطفى ﷺ، كان أول ما بنى في المدينة بنى مسجدًا.

وعجبا، ناقة يركبها الحبيب، فيتعلق بها أصحاب الحبيب، وكلهم يريد أن يحظى بجوار الحبيب، فإذا بالحبيب يقول «دعوها فإنها مأمورة»، مأمورةٌ بِم؟ أن تسير كيف تشاء، وأن تنزل حيث تشاء؛ لا، أن تسير كما يشاء رب الأرض والسماء وأن تنزل حيث تشاء.

فتنزل الناقة، وتزمزم، ثم تقوم، وتأخذ دورة طويلة؛ ثم تعود إلى مُناخها الأول. فعجبا لناقة.. ينظر الحبيب؛ أين دارت؟ لمن هذه الأرض؟ قالوا: لغلامين يتيمين تحت يد أسعد بن زرارة. أعطنا هذه الأرض؛ بثمنها؟ هدية؟ قال: بثمنها.

فالذي يحدد حدود المسجد ناقة مأمورة، والذي يبني بناء المسجد أمة مجبورة، والذي يقود هذه الأمة نبيٌّ أسرى به العلي. فجعل بداية الرحلة مسجد، ونهايتها مسجد؛ ليقول لك: يا من لله تتعبَّد، أدم الركوع لله واسجد؛ يتجلى عليك ربك فيمن يعطي ويحسن.

الله ﷻ يبني أُمة تتعلم في المساجد، يبني أُمة تتربى في المساجد، يبني أمة تتوحَّد في المساجد. فهي تستمد معدنها، وتستمد رزقها وتستمد وحدتها وتستمد أدبها، من وقوفها لله في المساجد، تأسّيا بخير عابدٍ وساجد.

وصلى الله وسلم وبارك على من جعل الله قبره مزار، ومسجده ممتلئا بالأنوار، وأمته سادة أبرار، وجعل آله خيرة أطهار.

وختامًا؛ هذه دعوة للاطلاع على: منزلة ومكانة المسجد في الإسلام

أضف تعليق

error: