هل يجوز صيام يوم الجمعة .. تعرّف على الإجابة

نحاول الإجابة عن: هل يجوز صيام يوم الجمعة

إذا سألت: هل يجوز صيام يوم الجمعة ؟ نقول أولًا أن يوم الجمعة من خير أيام الله عز وجل وأكثرها بركة وأعظمها فضلاً، له خصوصية كبيرة عند الله عز وجل وعند الأمة المحمدية بفضل ما أولاه الله من مكانة وكرامة خاصة لم يولها لغيره من الأيام، فأصبح يوم الجمعة عندنا نحن المسلمين يوم عيد وبات أحد مقدساتنا نحتفي به كل أسبوع، ونستعد له استعداداً يليق به وبما فيه من النفحات المباركة، ويتجدد في القلوب الإيمانيات والروحانيات العالية وتهب عليها نسائم عطرة، تجعل ليومنا بل عيدنا الأسبوعي مذاقاً مختلفاً ومظهراً متميزاً.

ولا تقتصر خصوصية يوم الجمعة على تلك المشاعر الطيبة التي تغمر قلوبنا فيه وتملأ صدورنا في ساعاته بل تمتد لتشمل الخصوصية في بعض أحكامه الشرعية، فنجد أنه خص بصلاة الجمعة دون غيره، ويوصى بالصلاة والسلام على النبي المصطفى أكثر من غيره، كما أن بعض العبادات لها أحكام معينة مرتبطة به مثل الصيام، وهنا سيدور حديثنا حول بعض الأمور المتعلقة بيوم الجمعة ولعل على رأسها محاولة الوصول إلى إجابة عن سؤال هام وهو هل يجوز صيام يوم الجمعة؟ ويتناول تلك المسألة بالتفصيل، فتابعوا مقالنا.

هل يجوز صيام يوم الجمعة

إن فضيلة الصوم من أعظم الفضائل وأجدى القربات التي يتقرب بها المسلم لله عز وجل يبتغي بها رضوانه، ولكنها عبادة توقيفية يجب الالتزام فيها بما ورد عن النبي “صلى الله عليه وسلم”، وكذلك يوم الجمعة يوم مبارك يستحب فيه الإكثار من ألوان الطاعات والقربات المختلفة كل فيما فتح الله عليه به وما يسره له، ولكن حتى التطوع والتقرب لله في هذا اليوم يجب أن يأتي موافقاً للسنة النبوية والأحكام الشرعية، وأن لا يتعارض مع أي منها، وهنا سوف نبين فضيلة الصوم وحكمها في يوم الجمعة مع ذكر معظم الآراء أو الآثار الواردة في ذلك المقام، والله الموفق والمستعان.

كراهة صيام يوم الجمعة

ربما الكثير منا يعلم أن حكم صيام يوم الجمعة ليس من السنة ولم يرد فعله عن النبي “صلى الله عليه وسلم” ولا صحابته، ولم يأت من النصوص ما يأمر به أو يحث عليه، وإنما حكمه الكراهة والكراهة هي عدم الاستحباب، وفعل المكروه هو فعل لا يستوجب العقاب ولكنه لا يستوجب الثواب أيضاً، وقد عرفوه قديماً بأنه فعل لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، ومن ثم فلا جدوى من التقرب إلى الله بعبادة يكره فعلها في هذا اليوم، يقول الشيخ ابن عثيمين: “وأما الجمعة فلا يُسنّ صوم يومها، ويُكره أن يفرد صومه” ويؤكد هذا الحكم شيخ الإسلام “رحمة الله عليه” في مصنف الفتاوى الكبرى الجزء السادس، في الصفحة ١٨٠: إن السنة مضت بكراهة إفراد رجب بالصوم، وكراهة إفراد يوم الجمعة، وحاصل المسألة أنه يكره تخصيص يوم الجمعة بالصيام أو إفراده به.

الأحاديث الواردة في كراهة افراد يوم الجمعة بالصوم

ورد أكثر من حديث بروايات وأسانيد مختلفة في بيان كراهة إفراد يوم الجمعة دون غيره بالصيام ولعل من أهمها ما جاء في صحيح البخاري من حديث جويرية بنت الحارث عنها من أن النبي “صلى الله عليه وسلم” دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال لها: تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا؟ قَالَتْ: لا، فقَالَ: فَأَفْطِرِي وَقال حماد بن الجعد أنه سمع قتادة يقول: حدثني أبو أيوب أن جويرية حدثته أن النبي أمرها فأفطرت.

كذلك ما جاء في صحيح البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (لا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ )، كما ورد في رواية أخرى في صحيح مسلم في باب الصيام حديث لأبي هريرة “رضي الله عنه أيضاً عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ إِلا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ).

متى تنتفي كراهة الصوم يوم الجمعة؟

وظاهر الأحاديث الصحاح التي أوردناها في الفقرة السابقة أن كراهة الصوم في يوم الجمعة ليست مطلقة وإنما متوقفة على نية تخصيص يوم الجمعة بالصوم أو افراده بمعنى صومه منفرداً لا يوم وقبله ولا يوم بعده، فإن صام يوم قبله أو يوم بعده أو وافق يوم الجمعة نذر صيام قد قطعه المسلم على نفسه فلا غضاضة في صومه، وهذا ما يؤكده كبار مفسري الحديث وجمهور العلماء فيقول بن قدامة في مصنف المغني الجزء الثالث: يُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ , إلا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ , مِثْلُ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا فَيُوَافِقُ صَوْمُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ , وَمَنْ عَادَتُهُ صَوْمُ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرِ , أَوْ آخِرِهِ , أَوْ يَوْمِ نِصْفِهِ،كما يقول النووي في مجموع شرح المهذب: قَالَ أَصْحَابُنَا (يعني الشافعية): يُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ فَإِنْ وَصَلَهُ بِصَوْمٍ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ وَافَقَ عَادَةً لَهُ بِأَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ شِفَاءِ مَرِيضِهِ , أَوْ قُدُومِ زَيْدٍ أَبَدًا , فَوَافَقَ الْجُمُعَةَ لَمْ يُكْرَهْ.

كذلك تنتفي الكراهة في حال كان على المسلم صوم قضاء أو اتفق وقوع يوم الجمعة مع صوم يوم من الأيام البيض، أو وافق يوم عرفة، أو وافق يوم عاشوراء أو نحوه من الأيام التي يغلب الظن فيها إلى انصراف نية الصوم من كونه صوم يوم الجمعة إلى كونه صوم يوم عرفة أو عاشوراء أو غيره.

جمعتنا عيد

ولو أمعنا النظر في فضل يوم الجمعة وبركته لوجدناه فعلا أقرب إلى يم العيد منه إلى اليوم العادي، فقد أطلق النبي “صلى الله عليه وسلم” على يوم الجمعة تسمية العيد صراحة ومن ذلك ما رواه ابن ماجة عن النبي “صلى الله عليه وسلم” أنه قال: إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين فمن جاء الجمعة فليغتسل.

كما أن يوم الجمعة بطقوسه وفضائله وملامحه فيه الكثير من مظاهر الأعياد، ومنها أن المسلم يستحب له التزين ومس الطيب والظهور بأجمل مظهر، ولبس الجديد، كما يخرج فيه المسلمون للصلاة الجمعة ولقاء اخوانهم والسلام عليهم،، وهذا أيضاً ما يفعلونه في صلاة العيد، والصوم يحرم يوم العيد، ويكره يوم الجمعة، والذكر والدعاء والصلاة على النبي والتهليل والتكبير والاستغفار كلها أمور يستحب فعلها يوم العيد وكذلك يوم الجمعة، فما أشبه عيدنا الأسبوعي الأصغر بعيدينا الكبيرين، لذا يجب أن نستقبل يوم الجمعة بما يليق به من الفرحة والبشر والسرور والاستعداد للطاعة وفعل الخير والاستكثار من القربات، لتكمل روعة هذا اليوم بخيري الدنيا والآخرة.

وفي الختام، نصلّي ونسلّم على نبي الأمة المصطفى المعلم، ونحمد الله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ملئ السماوات والأرض وملئ ما بينهما وملئ ما شاء من شيء بعد، أن هدانا إلى كتابة هذا المقال وغيره وأن وفقنا إلى الإجابة عن سؤال مهم متعلق بيوم الجمعة وأحكامه الخاصة، وهو “هل يجوز صيام يوم الجمعة؟” والله تعالى أعلى وأعلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى