مشاعر رمضانية: الجوع.. ليس كما كان

نشف الريق، وجف الحلق، وزاغت العين، وتسارَع النفَس، ومدَّ كفيه نحو جبينه يتحسس أماكن الصداع، ثم أنزلها على بطنه ضاغطاً مرة بعد مرة.. إنه الجوع..

إذا زاد يشل التفكير، ويطفئ الإبداع، ويصبح الجسد خاملاً.. ذهب إلى الفراش لعل النوم يغلب الجوع، فكان بئس الضجيع، يقلِّبه ذات اليمين وذات الشمال، ولا يسمع بين صخب المخ الصامت إلا وشوشات نبضه وقرقرة بطنه. قام، ليفتح كتاباً، لعل الصفحات تطوي ما يشعر، فكان يقرأ سطراً ولا يفهم له معنى، مع ثقل جبينه وشرود عينيه.

قرر أن يتحرك ويمشي خارج البيت، فما لبث أن عاد وقد بدا عليه الشحوب، يلهث ولا تساعده قدماه.. فتح التلفاز ليسلي نفسه وينسى ما يحدث في بنيانه من تصدع.. ليجد على الشاشة أطفالاً وكباراً وشيوخاً بنيانهم من جلد وعظام، عيونهم غائرة تائهة لا تقدر حتى على الحزن، وأصواتهم خافتة بعيدة لا تقدر حتى على البكاء.. إنه الجوع الحقيقي، ليس لعدة ساعات كما هو حاله، وإنما لعدة أيام، يموت أثناءها من لا يستطيع المقاومة، ولا تصله الإغاثة.

تسمَّر في مكانه وقد بدأت أجهزته تتحرك عطفاً وشفقة، لا على نفسه، ولكن على هؤلاء، بدأت الدموع الدافئة تنزل من محجريها، ولم يشعر إلا بملوحتها وهي تتسلل ببطء بين شفتيه.

لم يعد الجوع يمزق الأحشاء كما كان يفعل.. وإنما هو وخْز الضمير، ولوْم النفس.. وجاء وقت المغرب والإفطار، وعلى المائدة أصناف الطعام، وعلى الأطباق الفارغة النظيفة المعدة لغَرْف الطعام انعكست صورٌ تهتز مع حركة دموعه لهؤلاء الجوعى هناك.. وجوه كالجماجم المكسوَّة بجلد قديم، وأقدام كفروع الشجر اليابسة الكسيحة، وجلود كأوراق الخريف الجافة المتشققة.. أكل على استحياء وشعر بالحياة تدب في عروقه، وشعر معها بالحرمان.. حرمان الجوعى الحقيقيين من الطعام، وحرمان أمثاله من الجوعى المؤقتين من أجر إطعامهم.. ماذا لو ذهب نصف الطعام الذي أعدّ ــ وقد بقي ولم يؤكل ــ لهؤلاء المحرومين الضعفاء، أشرقت روحه بالفكرة.. وتعلَّم الحب والرأفة من «مدرسة الجوع» في شهر الصيام.

كتب: د. أحمد عيسى

واقرأ: فانوس رمضان حكاية حب قديمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى