لن يشاد الدين أحدا إلا غلبه

صورة , الصلاة , مسلمون
الصلاة

من الدعاوى المرفوضة تماما دعوى التشدد التي تنسب للإسلام بدون وجه حق، فالإسلام دين الوسطية والعدل والاعتدال، فهو لا يقبل التفريط ولا الإفراط ولا التطرف في أي جانب من جوانب الحياة، وربما لا يكون هذا الموضوع حديثا وربما قتل بحثا، ولكن هنا سوف نبحر معا في مفهوم الوسطية الإسلامية من منظور منطقي بحت، ونحاول أن نثبت لمن يزعم خلاف ذلك خطأه وفساد معتقده.

المحاور التي تتجسد فيها معاني الوسطية الإسلامية

هناك بعض المحاور التي تتجسد فيها مظاهر الوسطية والاعتدال كأحسن ما يكون، وحين نتناولها بالحديث فإنما نتناولها من المنظور الإسلامي الصحيح والمعتدل ودون الدخول في متاهات التشدد أو الفرق أو الأحزاب أو غيرها، ونذكر منها على سبيل المثال ما يلي:

الوسطية في العبادة

الدين الإسلامي يقوم على جانين متكاملين لا ينفصل أحدهما عن الآخر، وهما جانبي العبادات والمعاملات، وعلى الرغم من أهمية العبادات واختلاف أحكامها بين الواجب والمستحب والمندوب، إلا أن الاسلام لم يدع إلى المغالاة في العبادة فهو فرض الصلاة علينا وأعلى منزلتها بين العبادات ولكنه مع ذلك يسر على ذوي الأعذار ورفق بهم، ورخص لهم بعض الرخص وخفف على المرضى والعاجزين، وكذلك الصوم الذي لا ينتهي الحديث عن فضله، جعله شهرا واحدا من بين اثنتا عشر شهرا، ورخص للمرضى وذوي الأعذار في الفطر وما يتعلق به من أحكام ونهى عن مواصلة الصوم.

وافترض الزكاة على القادرين والمالكين للنصاب ولم يطالب بها من لا قبل له بها، ولم يفرض الحج إلا على من يملك الاستطاعة البدنية والمالية، ولا يدع الإسلام إلى المغالاة في العبادة أو الانقطاع لها وترك جوانب الحياة الأخرى، وليس أدل على ذلك من قوله تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) فهذه دعوة صريحة للاعتدال والوسطية.

الوسطية في حب النبي – صلى الله عليه وسلم- وآل بيته

من المسائل التي حظيت بالاختلاف والمزيدات والمبالغات مسألة حب النبي –صلى الله عليه وسلم- وأل بيته الكرام، وصحابته الغر الميامين، وقد أسفر الجدل والمراء عن ظهور فرق متطرفة تغالي في حب النبي وآل بيته وأخرى تقدس بعض الصحابة وتخوض في بعضهم الآخر، وفرق تتفنن في اختلاق البدع والطرق الغريبة في التعبير عن حب النبي وآل بيته، ويسيرون على نهج لا يقره الله ولا رسوله –عليه أفضل الصلاة والسلام- وهذا كله ليس من الدين الإسلامي في شيء، فعقيدتنا تقتضي أن لا يكتمل إيمان أحدنا حتى يكون الله ورسوله أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه.

ولكن شريعتنا بينت لنا بما لا يدع مجالا للابتداع أو الاختراع كيف يكون حب الله وحب رسوله الكريم، وعلمنا النبي –صلى الله عليه وسلم- ما يجب أن يفعله المحبون الصادقون والسائرون إلى الله ورسوله، وبينت لنا السنة المطهرة وجوب حب الصحابة والتابعين من الذين صدقو الله واتبعوا سبيله، وبينت لنا وجوب توقيرهم والدفاع ورد الأذى عنهم، ولكن كل ذلك وفقا لمنهج وسطي معتدل، وبعيدا عن البدع والضلالات التي ملأت انحاء الدنيا وانتشرت كانتشار النار في الهشيم.

الوسطية في الانفاق

من المحاور التي تتجلى فيها الدعوة إلى الوسطية والاعتدال مسألة الانفاق، وهي من المسائل الهامة التي عالجها القرآن الكريم، نظرا لأهميتها ولأنها تتعلق بجودة الحياة المالية، ويترتب عليه أثرا كبيرا على الفرد والمجتمع، فنجد أن الإسلام ذم البخل ونفر منه ووردت أثار كثيرة في النهي عنه.

والأمر بالإنفاق والدعوة إلى الصدقة والإنفاق على الأهل والإنفاق في سبيل الله، ومع ذلك فهو يرفض الإسراف والبذخ والمغالاة في الإنفاق ويدع إلى الوسطية بين الأمرين بحيث ينفق الإنسان بقدر ما تستقيم به حياته وتتوفر به حاجاته ومصالحه، ويمسك يده عن السفه أو إنفاق المال فيما لا يفيد أو إهداره في ما حرم الله وهذا ما تدع إليه الآية الكريمة: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) ومدح الذين يتبعون منهج الوسطية في الإنفاق بقوله عز وجل: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا) (67).

أضف تعليق

error: