قصة عن ثورة 25 يناير

قصة , ثورة 25 يناير

قصة عن ثورة 25 يناير

استيقظ ياسر على غير العادة مبكرًا، وقبل يد والدته وطلب منها تجهيز الإفطار، وحين تساءلت عن سر استيقاظه مبكرا أخبرها أنه هو وزملائه ذاهبون للجامعة وأن اليوم ظهور نتيجة الامتحانات، وأنه بنهاية اليوم سيكون خريجاً من جامعة القاهرة كلية التجارة، ثم طبع على جبينها قبلة وهو فرح مستبشر وكله أمل وحماس.

تناول ياسر إفطاره وانطلق إلى الجامعة وقضوا هناك ما شاء لهم الله أن يقضوا من الوقت، فربما خرجوا في نزهة أو غيره مما يستهوي الشباب، وعاد قبيل العصر ليجد والده ووالدته في انتظاره وأخوه أحمد، فوقف بالباب يطرقه، وكان واضحاً من صوته الذي سمع من الخارج أنه فرح وسعيد بل يكاد يطير من الفرح، وأدركت الأسرة النتيجة قبل أن يقولها.

فتح أحمد الباب وإذا بياسر يرفع صوته الممزوج بالضحك: (نجحت واتخرجت بتقدير جيد جدًا مع مرتبة الشرف، هنوني وباركو لي)، وراحت الأم تطلق الزغاريد والأب يهنئ ويدع له وأحمد يحتضن أخاه بكل ما فيه من السعادة والفرحة، أخيراً بعد هذا المشوار الطويل من التعليم والنفقات التي لا تنتهي، تخرج ياسر وحصل على تقدير رائع وفرح الجميع وراحوا يمنون أنفسهم بمستقبل أفضل بفضل بداية التحاق ياسر بالعمل، ليكون فرداً فاعلاً وداعماً ومساهماً في ظروف المعيشة الصعبة.

لم يضيع ياسر وقتاً وشرع في استخراج كافة أوراق التخرج، وأصبح شغله الشاغل البحث عن فرصة عمل، فتوجه إلى شركة تلو الأخرى ومصلحة تلو الأخرى وقدم أوراقه في كل مكان يمكن أن يحتاج لتخصصه، آملا أن يستطيع استثمار وقته حتى يحصل على وظيفة أحلامه، ولكن…

طالت تلك الفترة أكثر مما ينبغي وراحت الأيام تجر بعضها بعضا وهو لا يزال واقفا في مكانه، كل ما سمع عن تدريب ذهب وتدرب وحصل على شهادة تضاف إلى سيرته الذاتية، ولكن بلا جدوى، وتحولت الأيام إلى شهور، وهو يبحث ويبحث بلا طائل.

ومضى الوقت وهو يرى زملائه من نفس الفرقة يلتحقون بكبرى الشركات، ويتم تعيينهم في وظائف كثيرة وهو يطرق الباب تلو الباب فيغلق في وجهه.

بدأ الملل والإحباط يتسرب إلى نفسه، بدأ الشحوب والاكتئاب يكسو ملامحه عند عودته كل يوم إلى البيت منهكاً دون أن يحمل لأبيه وأمه خبراً مفرحاً.

بعد التعب والمعاناة أصابته حالة من اللامبالاة والاستهتار فأصبح يقضي جل وقته على المقاهي وما تبقى من وقته فهو للجلوس أمام مواقع التواصل الاجتماعي، فجأة اكتشف أنه يرى قبح واقعه لأول مرة، فراح يتابع بنهم كل ما يجري على الساحة السياسية وما يطرأ على الحياة اليومية مشقة وعناء، وراح يستكشف في نفس الوقت عالم الرؤساء والمسؤولين والأثرياء، الذين يملكون من كل نعيم الحياة ورفاهياتها ما لا يجدون حتى الوقت الكافي للاستمتاع به.

وبدون مقدمات وجد الغيظ والغضب يملأ قلبه والشعور بالقهر يستولي على إرادته وعزيمته، وبينما هو غارق في تلك الدوامة إذا به يستفيق على طرقات الباب وصوت أم استبد الهلع بقلبها وهي تستغيث به وتسأله عن ابنها وصديقه الحميم عادل.

خرج من غرفته وحاول أن يهدأ من روعها ويفهم ما حدث، فأجابته بصوت يتحرق لوعة: (عادل أخدوه بتوع أمن الدولة وهو خارج من الجامع من امبارح العصر ولسة ما رجعش).

حزن ياسر لهذا الخبر وساءه ما حدث لصديقه وحاول أن يطمئن أمه وأنه سوف يسأل ويستفسر حتى يفهم ما الأمر، خرج أم عادل من بيت ياسر وكلها أمل أن تقر عينها بعودة ابنها البار، ولكن.!

مضى يوم وراءه يوم وارءه يوم وياسر يحاول بكل ما أوتي من قوة أن يعرف أي معلومة عن صديقه أو مكانه، أو حتى اتهامه ولكن بلا جدوى، حزن الجميع لما حدث لعادل وباتت القلوب متعلقة بأمل لا يموت ولا يزيد عن مجرد كونه أمل. أن تنكشف الغمة ويأتي عادل، والأمل يتجدد مع كل طارق يطرق الباب أو مكالمة هاتفية، ولكن لا يلبث أن يتبخر.

استمر هذا الحال عام ونصف العام، شاخت فيها القلوب وبدا ياسر كما لو كان كهلا تجاوز السبعين من عمره، حزيناً باهتاً ضعيفاً لا يقوى على شيء، وبينما هو جالس في بيت صديقه يطمئن على أمه وأخوته إذا بالباب يطرق، فخرجت الأم تفتح وإذا بمفاجأة شقت فؤادها نصفين.

صرخت الأم هلعاً وهي تصيح :عادل!

انتفض جميع من بالبيت ومعهم ياسر وجروا نحو الباب فإذا بهم يرون شبحاً كهلاً لا يكاد يستطيع الوقوف، يشبه إلى حد ما الابن الغائب.

كان مشهد يمزق القلوب ويذهل العقول، فالتفوا جميعاً يحاولون مساعدة عادل على الدخول وأجلسوه على أقرب مقعد وهم يحاولون عبثا أن يستوعبوا ما حدث.

ذهب شباب عادل، وتبدلت ملامحه وانطفأت لمعة عيونه، ولكن لا بأس كل ذلك يمكن أن يتحسن ويعود إلى سابق عهده بقليل من الاهتمام والغذاء.

عاد ياسر إلى بيته لا تكاد قدماه تستطيعان حمله، وهو غير مصدق لما رأته عينيه، وقد عزم على أن يعود صباحاً ليجد صديقه بحال أفضل ويفهم من ما حدث.

أمضى ياسر ليلته مفتوح العينين لم يعرف النوم إلى عينه سبيلا، منذ أن دخل غرفته حتى خرج منها متوجهاً إلى زيارة صديقه، ولهول المفاجأة فقد وجد صديقه جسداً ملقى على سريره، وأخبرته أمه أن عادل في حالة حرجة وأنه فقد الذاكرة وفقد النطق وهو لا يحرك يديه ولا زراعيه، وأردفت بقلب مفطور: (يا ريته ما رجع، عادل مات، عادل اللي تعرفه مات وانتهى).

خرج ياسر وهو لا يعرف إلى أين يسير، ولا يشعر بشيء إلا تلك النار التي شبت في جوفه وقلبه وعقله والتي لا يطفئها إلا الانتقام من كل مسؤول وظالم وطاغية.

الآن عرف ياسر هدفه وأضحى لا يتحرك من أمام شاشة الحاسوب، وقد شن حملة تحريض ودعوات للتظاهر ضد النظام الباطل، ترك صورة لصديقه قديمًا وحديثًا وراح يرقب تعاطف الشباب، الذي وصل إلى قمته واجتمع هو ورفاق معاناته وقرروا الانضمام إلى الشباب الثائرين، فتوجهوا إلى ميدان التحرير وانضموا إلى شباب ثورة يناير، ارتفعت هتافاتهم وعلت أصواتهم وتأججت نار الغضب أكثر وأكثر في قلوبهم مع سقوط كل شهيد تغتاله يد الفجرة والقاتلين..

مضى يوم واثنان وثلاثة ولم يعد يسمع إلا صوت واحد وجملة واحدة (الشعب يريد إسقاط النظام)…

كانت القلوب ملتهبة ولكل شخص في الميدان ثأر في أعناق النظام الغاشم ينتظر سقوطه، حتى كان يوم الجمعة 11 فبراير، حين تم توجيه بيان عمر سليمان الذي يعلن فيه تنحي مبارك!

تهللت الأسارير وفرح الشعب المكلوم، وتجدد الأمل في القلوب أن يقام ميزان العدل، وانطلق ياسر عائداً إلى صديقه يبشره بما حدث لعله يعود إلى الحياة أو يسمع أو يتذكر لكن الوقت كان قد فات، فوجده مغطى فوق سريره، وقد لفظ أنفاسه الأخيرة.

خرج عادل هذه المرة من بيته وهو محمولاً على الأعناق وأبى ياسر إلا أن تقام عليه صلاة الجنازة في ميدان الثورة، وودعه الجميع وهم يتعاهدون أنهم لن ينسون حقه ولن يتخلوا عن الثأر له، شيعت جنازته بين هتافات اخوانه ورفاقه، (والله لن يضيع حقك يا شهيد!!)

وفي الختام

فتلك هي قصة عن ثورة 25 يناير، جادت بها قريحتنا واستلهمناها مما قرأناه وسمعناه عن الثورة وما فيها، فلعلها تنال إعجابك عزيزي القارئ.

وهنا من أجلكم أيضًا

أضف تعليق

error: