قصة بلعام بن باعوراء – قصص القرآن

قصة بلعام بن باعوراء , قصص القرآن

هناك في القرآن الكريم قصة مخيفة، بل مرعبة. قصة أحد العلماء الذي كان يحضر مجلسه عشرون ألف طالب؛ هذا الرجل كان مستجاب الدعوة بل إنه أوتي الاسم الأعظم الذي إذا سُئِل الله به أعطى وإذا دُعيَ به أجاب، وهذا العالم كان في عهد النبي موسى -عليه السلام- وكان اسمه بلعام بن باعوراء.

قصة بلعام بن باعوراء

أرسله موسى -عليه الصلاة والسلام- واصطفاه من أجل مهمة عظيمة وهي دعوة صاحب مدين.

فذهب إلى صاحب مدين يدعوه للإسلام، إلى دين موسى. فصاحب مدين منحَه أرض وأغراه بالمال فارتد عن الدين والعياذ بالله.

لم يكن عابِدا ولم يكن منافقا، بل كان من أولياء الله، فصار من أولياء الطاغوت.

انسلاخه عن الدين سريع وفظيع ومريع، دلَّت عليه الفاء في قوله -تعالى- في سورة الأعراف {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا}، ليس {ثم} الدالة على التراخي، لكن {فَانسَلَخَ} أي بسرعة، فالفاء دالة على التعقيب.

وقوله -سبحانه- {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ} أي أنه ليس مجرد خبر، إنما نبأ قوي، قوي خبر قوي، وتقرأ في سورة النبأ قوله -تعالى- {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ | عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ}. وأي نبي ينزل عليه خبر عظيم، فينبو على قومه ويرتفع، فيُطلَق عليه حينئذٍ نبي.

وفي قوله -جلَّ شأنه- {آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا}، أي أنها ليست آية واحدة، بل آيات؛ ثم {فَانسَلَخَ مِنْهَا}؛ لاحِظ التعبير بالانسلاخ شمل جميع الجسم، فلم يبقى من آثار دين موسى شيء.

أين كان ثم أين أصبح؟

انسلخ، فأنت إذا سلخت الشاة أو البرتقالة أو الموزة؛ فلابد أن يكون السَّلخ شاملا، فما مآل المسلوخ؟ كما أن المسلوخ لا يعود، وهو أمر مفجع لمن يتدبَّره. فهل سمعتم أن شاة سُلِخَت فعاده جلدها؟ أو أن قشرة موز أو برتقال استطاعت أن ترجِع؟

هذا الرجل انسلخ، تأمَّل أين كان ثم أين أصبح؟ {انسَلَخَ مِنْهَا} هو الذي قرر الانسلاخ، فقد أُسند الفعل إليه، هو الذي قرر؛ وما ظلمه الله، ولكن نفسه كان يظلِم.

فلما انسلخ، وأعرض وتولى وتخلَّى {فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ}. الآن تسلَّط عليه الشيطان وجثم على قلبه.

ومن أهل العلم من قال في {أَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ} أي أن الشيطان صار متبعًا له؛ فربما كان دوره أن يولِّد الشبهات في دين موسى، فالشيطان مستفيد من معرفته التفصيلية في هذا الدين.

كان يأوي إلى ربوة ذات قرار ومعين من العلم والإيمان؛ يقول الله {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} أي فوق هذه المنزلة التي كان عليها.

فكان بمنزلة؛ حتى أنه ذُكِر أن قومه إذا حزبهم أمر وفزعوا لجأوا إليه فدعا الله لهم فكشف ما بهم من ضر.

يقول الله {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ} فقد ظنَّ وتوهَّم الخلود على هذه الأرض؛ لكِن الله -سبحانه- يقول في سورة الأنبياء {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ}.

وتوهم أنه يبني على هذه الأرض أبراجًا عاجيَّة من طموحاته وأحلامه وأوهامه، وكلّ ابن انثى وإن طالت سلامته .. يوما على آلة حدباء محمول.

خطوات الشيطان

وعندما نقرأ {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ}؛ أي قد يكون في البداية مُكرهًا، لكنه ما زال بخطوات الشيطان حتى تمحَّض في اتباع الهوى.

وكان عابدا لهواه. وتقرأ في سورة الفرقان {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا | أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا}.

وفي سورة الجاثية {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}.

ولعل هذا السر من إشارة الآيات بعدها أن الله -عز وجل- خلق للنار أهلا، كما خلق للجنة أهلا -جعلني الله وإياكم منها-. فيقول الله -تبارك وتعالى- في سورة الأعراف {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا}.

أبرز صفات أهل النار التي خلقوا لها هي عبادة الهوى.

منزلة الكلب

ثم يقول الله مثلا مبينا حال هذا الرجل الشقي {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ}؛ قد كان بمنزلة عالية جدا، حتى أن اختيار موسى وقع عليه، ثم صار بمنزلة الكلب -أجلكم الله-؛ مبحوح الصوت، لا صوت له، يلهث، لا صوت له أمام صوت الحق، لا قوة له أمام قوة آيات الله وقوة دينه.

قد يكون مثيرا للشبهات في دين موسى، يريد أن يطفئ نور الله بفيه، وهيهات؛ {كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث}، فسواءً رددت عليه أو رددت على شبهاته أو لم ترد مطلقًا، أنت لن تستفيد وهو لن يستفيد لأنه منزوع ومسلوخ عنه مركز الإحساس [وما لجُرحٍ بميتٍ إيلام].

وانظر إلى التعبير البليغ في لغة القرآن {فَانسَلَخَ مِنْهَا}، ولم ينسلخ عنها. قد كانت جزءًا منه، كانت بعضًا منه، كان ملتصقا بها التصاق الشيء ببعضه، فانسلخ منها.

كانت تخالطه مشاعرها وأفعالها وأقوالها، فانسلخ منها.

وفي الآية التي تليها {سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ}. فلم يظلمه الله ولم يظلمه أحد؛ إنما ظلم نفسه، هو الذي قرر هذا المصير وهذا الشقاء الأبدي؛ بعد أن كان ما كان.

قصة مخيفة

إن قصة بلعام بن باعوراء هذه قصة مخيفة جدًا، ولا أحد يأمن البلاء بعد هذا، مهما وصلت إلى مكانة في أعين الناس أو في عين نفسك؛ لا تأمن البلاء.

وهذا الذي أبكى الصالحين، وهو الذي جعلهم {يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}، خوفًا من أن ينسلخوا من الدين، لأن المرء قد ينسلخ بكلمة أو باعتقاد أو بفِعل.

وبه تعلم ضرورة دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ كان يكثر أن يقول «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».

وقال -تعالى- في سورة البقرة {قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.

الله -عز وجل- يُضِلّ من يشاء بعدله، ويهدي من يشاء بفضله، واقرأ في سورة الأعراف «فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ».

وأنت لا تدري عن العاقِبة؛ والله -جل شأنه- في سورة القصص {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.

العاقبة للمؤمنين المتقين

لكن أبشروا، ما من أحد عامل الله وصدق إلا وصدق الله معه؛ وهو ما قاله الرسول ﷺ، وجاء في كتب الحديث {إن تصدق الله يصدقك}، والكريم إذا أقبلت عليه أكرمك، وأعطاك؛ وربنا -جل جلاله- إن أتيته سعيًا أتاك هرولة تليق بجلاله وعظمته، وإن تقرَّبت إليه شبرا تقرَّب منك ذراعا.

ويقول الله -عز وجل- في سورة محمد {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ}، وفي سورة مريم {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى}.

ويقول -جلّ من قائِل- في سورة الكهف {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ}.

مُقترَح: والله غالب على أمره

أسأل الله -عز وجل- أن يثبتنا وإياكم على الحق، وأن يجعل لنا ولكم في العالمين لسان صدق، وأن يفقهنا في الدين ويعلمنا التأويل، ويميتنا على الإسلام ويتوفانا عليه وهو راضٍ عنا غير غضبان، ويحفظ علينا نعمة الأمن والإيمان، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى