تحضيرات شهر رمضان المبارك عن كثب

تحضيرات شهر رمضان

إذا هلَّ شهر رمضان برائحته التي نعتادها منذ الصغر، فإنا نستقبله بالسرور والفرح، فيكون للاستعداد له طقوس لا نحيد عنها على مستوى العبادات، أو المستوى الاجتماعي، وهنا يتمحور الحديث حول تحضيرات شهر رمضان المبارك.

حين ندرك أن الشهر الكريم شارف على الوصول، فإنا نستقبله بحفاوة، ونكثر من الدعاء في صلاتنا، وفي دواخلنا أيضًا، أن يبلغنا الله رمضان بنشاط وهمة حتى نقدر على عبادته، وأن يكون العام كله رمضان، وأن لا يمر رمضان إلا والله غافر لذنوبنا، ويكتبنا من الصائمين التائبين.

نهرع للتخطيط حتى يمضي الشهر ونحن راضون عن أنفسنا، فيحدد الفرد منا الورد اليومي من القرآن، ويعزم على الالتزام بصلاة القيام، ومنا من يخطط للاعتكاف إذا سمح له الأمر.

يعقد الإنسان نيته أنه لا يمر الشهر الكريم دون أن يكون قد عادت صفحته ناصعة البياض، لا يشوبها ذنب، ويعقد نيته على عدم الرجوع إلى ذنبه، فيتحقق له المراد، ويغتنم الفرصة العظيمة لحلول شهر رمضان.

ولا أغفل في كلامي استعدادات المجتمع في الاحتفال بشهر رمضان الكريم، فحين يهل شهر رمضان، يهرع أهالي الشوارع في تعليق الزينة، والأنوار، والفوانيس المعدة خصوصًا لمثل هذه المناسبة.

يبدأ التجار في بيع ما يلزم البيوت من الأطعمة التي لا يأكلها المسلم إلا في رمضان، ويعد رمضان الموسم لتلك الأطعمة؛ “كالكنافة”، و”القطايف”… وغيرهم.

وشهر رمضان موسم اجتماع العائلات على الولائم، واجتماع الأصدقاء على المقاهي، واجتماع الأطفال في الشوارع يلهون طيلة الليل حتى السحور.

متى تبدأ تحضيرات شهر رمضان المبارك؟

الاستعداد روحانيًا لشهر رمضان، لا يكون قبله بيومين، أو ثلاثة، أو حتى عشرة. فمن أراد الاستعداد الحق لشهر رمضان، فإن استعداده يبدأ مع بداية شهر شعبان. فمن اغتنم شهر شعبان جيدًا في الصيام والعبادات، فإنه سيمر من شهر رمضان ظافرًا راضيًا بغنائمه العديدة، وخيراته التي لا تحصى، وسوف يلاحظ المسلم ذلك في حاضره، وسوف يعود عليه بالنفع في مستقبله من الخير والبركة، وفي الآخرة سيكون شأنه عظيمًا.

عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، فقال: “ذاك شهر تغفل الناس فيه عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم” رواه أبو داود و النسائي وحسنه الألباني.

لماذا يبدأ الاستعداد لشهر رمضان من شهر شعبان؟

  • عادةً إذا أحسن المسلم صيام شهر شعبان، مهيئًا نفسه لقدوم شهر رمضان الكريم، فإن دافعه على ذلك هو ما يتذكره، ويحفز به نفسه من فضائل شهر رمضان، لذلك فإنه يهيئ نفسه جيدًا في شهر شعبان، حتى يضمن الغنائم المباركة في شهر رمضان.
  • فالمسلم خلال شهر شعبان، يهيئ نفسه بالعبادة، والصيام، والقيام، متذكرًا الثواب والأجر العظيم الذي سوف يلاقيه في رمضان، فهو في شهر شعبان يدرب نفسه جيدًا على الصيام إيمانًا واحتسابًا، حتى إذا هلَّ رمضان وصامه إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه.
  • عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم -، قال: “من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” متفق عليه.
  • وفي شهر شعبان، يثلج المسلم قلبه بتذكر العطايا والهبات التي أوردها الله في القرآن وعلى لسان نبيه – صلى الله عليه وسلم – فتتفتح أبواب الجنة، وتُغلق أبواب النار، ويصفد الشيطان، فلا يكون بين المسلم وعمله الصالح حائلٌ، ولا يمنعه من المضي في طريق عبادته مانعًا، ولا يثنيه عن التقرب إلى الله سوى نفسه، فإن تغلب عليها فإنه قد ضمن الاستمرار على العمل الصالح في رمضان، وبها يهيئ الله له في طريقه الخير والبركة إلى الجنة – إن شاء الله – عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم قال: “إِذَا جَاءَ رمضانُ فُتِّحَت أبوابُ الجنَّةِ، وغُلِّقَتْ أبوابُ النار، وصُفِّدتِ الشَّياطينُ”.
  • والدافع الأكبر في أن نحسن استقبال شهر رمضان، بالتدرب على الطاعة والعبادات في شهر شعبان، أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – كان يحسن استقبال شهر رمضان المبارك، فرغم أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – قد غفر الله له ما تقدم وما تأخر من ذنبه، وأنه معصوم من الخطأ، إلا أنه لم يتوان لحظة في التقرب إلى الله بالعبادة والطاعة، والاستعداد الأمثل لصيام شهر رمضان، فيكون بذلك عبدًا شكورًا.
  • وما أحوجنا للاقتداء بالرسول – صلى الله عليه وسلم -، ولكي نحسن ذلك علينا أن نجتهد في التدرب على طاعة الله – سبحانه وتعالى – خلال شهر شعبان، حتى يأتي علينا شهر رمضان يسيرًا، ويمر حاملًا معه إلى الله أعمالنا الصالحة.
  • إن تذكرنا لفضائل ونعم الله علينا، يرقق قلوبنا، ويزيدنا خشوعًا، ويدفعنا لعبادته طوال العام، ليس فقط في شهر رمضان المبارك، فإذا جاء شهر رمضان، يهرع العارف بنعم الله إلى حمد الله وشكره، بطاعته، وتلبية نداء صلاته، وقيام الليل، والصوم عن كل إثم يلوث القلب، ويحيل عن الجنة.

كيف نستعد لشهر رمضان المبارك؟

إذا شارف رمضان على الوصول، فإننا نستعد له – كما قلتُ – من شهر شعبان، ولو حتى من منتصف شهر شعبان؛ بالعبادة الصالحة، بالطاعة في تلبية الصلاة في مواقيتها، والتعود على الصلاة في جماعة المسجد، وأن نقتطف من القرآن وردًا ولو يسيرًا كل يوم، وأن نتبتل إلى الله بالذكر، فالذكر يطمئن القلب، ووسيلة رابحة لطاعة الله.

وحين يكون شهر رمضان على الأعتاب، نعقد النية بدوام الطاعة، متغلبين على أهواء النفس، وشهواتها، وندعم أنفسنا بوضع خطة محكمة، حتى نغتنم خيرات هذا الشهر المبارك.

وحين يشارف شهر رمضان، فإنا نستكمل ما عودنا عليه أنفسنا في شهر شعبان؛ نصلي جماعةً، كل صلاة في مواقيتها، ونتضرع إلى الله بالدعاء، والقرآن، والقيام.

شهر رمضان رحمة:

  • إن شهر رمضان رحمة، رحمة في القلوب، فنسعد دائمًا بمجيئه، نزين الشوارع، ونغني أغانيه، ونأمل ألا ينتهي الشهر.
  • إن شهر رمضان يربطنا، ويلملم شمائلنا؛ فيجتمع الأهل على مدار الشهر، على الولائم التي يعدونها احتفالًا بالشهر.
  • إن شهر رمضان صدقة؛ فيعطف الغني على الفقير، ويُطعم المساكين والفقراء، وتنتشر موائد الرحمن في الشوارع لكل عابر سبيل، وكل مسكين.
  • إن الأنس في شهر رمضان لا ينتهي؛ فمن بعد صلاة المغرب، يتوافد الأطفال في الشوارع يلهون، ويضفون البهجة في المجتمع، ويجتمع الأصدقاء على المقاهي، يتسامرون حتى موعد السحور، ويسعدون بسحورهم معًا.
  • إن كل تلك الأجواء لا نراها إلا في رمضان، فإنه موسم غنائمه واسعة للمجتمع، وللنفس.
  • إن شهر رمضان هو الحياة التي نأملها للمجتمع المسلم دائمًا، ونتمنى ألا يحيد عنها أبدًا، فتعم الخيرات والبركات، وتزول البلاءات والكربات.
  • فإن أتى شهر رمضان فاستعدوا له حق الاستعداد، وعدوا له عدتكم، وتقربوا فيه إلى الله من صميم قلوبكم، فثلاثون يوم في العام تغني عن العام كله، وطاعة خاشعة في هذا الشهر، كفيلة أن تصحح ما أفسدته الحياة في قلوبنا ونفوسنا طوال العام، بل طوال عمرنا، فاللهم سملنا لرمضان، وسلم رمضان لنا، وتسلمه منا متقبلًا يا رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى