بحث عن السلوك الحيواني

السلوك الحيواني

قد يبدو السلوك الحيواني غريباً بعض الشيء، ولكن عند دراسته عن كثب ستلاحظون أن جميع هذه السلوكيات تحقق هدفاً محدداً مثل التزاوج والحصول على الغذاء وتجنب الأعداء وتربيه الصغار.

السلوك هو الفعل الذي يصدر استجابة لمؤثر ما. على سبيل المثال؛ تستجيب القطط لمؤثرين أحدهما خارجي وهو صوت كيس الطعام، والآخر داخلي وهو شعورها بالجوع.

وبما أن السلوك الحيواني يشمل هذه العمليات الهامة فإن الانتخاب الطبيعي يؤثر فيها مثلما يؤثر في الصفات الجسدية لضمان بقاء الحيوانات ذات السلوكيات النافعة، والتخلص من الحيوانات ذات السلوكيات غير النافعة أو الخطرة أو غير المجدية.

ومن أكثر السلوكيات نفعا؛ هي تلك السلوكيات التي تساعد الحيوان في القيام بالعمليتين الأكثر أهمية على الإطلاق، وهاتين العمليتين هما؛ التزوج والتغذية.

ولا يعني ذلك أن جميع السلوكيات التي يسلكها الحيوان هي لخدمة ذاته فحسب حيث ستلاحظون إن بعض السلوكيات النافعة قد تكون لمصلحة الغير.

العوامل المؤثر في السلوك الحيواني

هناك عاملين مؤثرين في السلوك الحيواني: وهما:

التشكل

وهو التركيب الجسدي للحيوان ووظائف الأعضاء؛ أي وظيفة هذا التركيب الجسدي.

إن السلوك الحيواني محكوم بقدرته الجسدية، أو ما هو قادر على فعله، فعلى سبيل المثال؛ لا تملك القطط إبهاماً يساعدها على فتح كيس الطعام بمفردها، وهذه الصفة موروثة، أي أن كل القطط لا تستطيع فتح الكيس.

لأن القطط لا تملك إبهاماً يُمكنها من ذلك، ولكن قد يبدو أن بعض القطط لديها إبهام، وكذلك البطريق فهو لا يستطيع الطيران للهرب من حيوان مفترس، أو في حالة الغزلان التي لا تستطيع الوصول إلى أوراق الشجر المرتفعة التي يمكن للزرافة أن تصل إليها.

وعلى نحو مماثل؛ يعتمد سلوك حيوان على وظيفة أعضائه، فجسم القطط مصمم لمطاردة الفئران مثلاً، ولأكل اللحوم وليس لأكل الخضروات.

وذلك لأن تركيب جسمها من الأسنان وحتى الجهاز الهضمي مهيأ  لأكل اللحوم، وبالتالي؛ إذا تناولت ورقة عشب مثلاً فستواجه مشكلة في جهازها الهضمي.

السلوك التكيفي

إن الصفات التي تدخل في تركيب جسم الحيوان ووظائفه غالباً ما تكون موروثة، أي أن الانتخاب الطبيعي هو الذي يحددها، حيث يثقل الانتخاب الطبيعي هذه الصفات من خلال انتقاء السلوكيات المرتبطة بالصفة الموروثة بناءاً على طريقة استخدامها مثل استخدام الأجنحة والريش للهرب من الأعداء، أو استخدام الرقبة الطويلة للوصول إلى الأوراق.

إذاً تُعد هذه السلوكيات ميزة تطورية، لكن من الجانب الآخر لا تعتمد كل سلوكيات الحيوانات على جيناتها، فبعضها يمكن تعلمه، إذ أن الانتخاب الطبيعي ميز بعض أدمغة الحيوانات بالقدرة على التعلم مما يعني أن حتى السلوكيات التي يمكن تعلمها لها أساس جيني، وتسمى هذه السلوكيات بـ “السلوك التكيفي”  ولكن لا يزال هناك بعض الغموض حول السمات التطورية التي أدت إلى ظهور بعض السلوكيات الحيوانية الغريبة التي لا يمكن تفسيرها.

فكيف يمكن تفسير إخراج السلحفاة النهاشة للسانها؟ أو طريقة جذب جرذ الهامستر السيبيري لجنس الآخر عبر مساحات واسعة من السهول القطبية الجرداء. أو سبب جمع طائر التعريشة لأكوام من القمامة؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة عليكم ما معرفة أمرين؛ المحفز الذي يسبب السلوك والفائدة التي يحققها هذا السلوك، وسنوضح هذه الأمور تفصيلاً.

العالم نيكولاس تينبرغن

هو عالم السلوك الحيواني الذي بحث فيه أربعة أسئلة لفهم سلوك الحيوانات، وركزت أسئلته على جانبين:

  • الأول: طريقة حدوث السلوك.
  • الثاني: سبب تفضيل الانتخاب الطبيعي لهذا السلوك تحديداً.

يندرج تحديد طريقة حدوث السلوك تحت سؤالين؛ الأول، ما المؤثر الذي يتسبب بظهور السلوك؟ والثاني كيف يستجيب جسم الحيوان لهذا المؤثر؟

وبإجابة هذين السؤالين نستطيع فهم مسببات السلوك المباشر، ففي حالة ذكر جُرذ الهامستر السيبيري يكون المؤثر هو رائحة الفرمون التي تطلقها أنثى الهامستر المستعدة للتزاوج.

ويستجيب الذكر لهذا المؤثر بالانطلاق بشكل سريع وخاطف ويقطع أميالاً عديدة لإيجاد هذه الأنثى والتزاوج معها، وبالتالي؛ يكون السبب المباشر لسلوك هذا الحيوان هو أنثى الهامستر التي أرسلت الإشارة بأنها مستعدة للتزاوج مما دفع الذكر إلى الركض مسرعاً للتزاوج معها.

أما الجانب الثاني من الأسئلة فهو أكثر تعقيداً، وهو يتعلق بسبب محافظة الانتخاب الطبيعي على هذا السلوك، ويمكن فهم ذلك من خلال الإجابة على هذين السؤالين:

الأول كيف يفيد السلوك بقاء الحيوان وتكاثره؟ والثاني ما هو التاريخ التطوري لهذا السلوك؟

وكما تلاحظون فإن هذه الأسئلة ستُعطينا صورة أشمل عن السلوك الحيواني مما سيساعد في تفسير مسببات السلوك غير المباشرة.

في المثال المطروح سابقاً إجابة السؤال الأول هي أن قدرة ذكر الهامستر على إيجاد الأنثى المناسبة واستجابته للفرمونات التي تطلقها تؤدي إلى نجاح تكاثره.

أما إجابة السؤال الثاني فهي أن ذكور الهامستر صاحبه القدرة الأكبر على استشعار فرمونات الإناث هي التي ستتمكن من التكاثر أكثر من الذكور الأخرى مما يتسبب بإنتاج سلالة أكبر من هذا النوع من الذكور.

وبذلك يكون الانتخاب الطبيعي قد ثقل وأبرز هذه الصفة الجسدية، وهذا السلوك عبر أجيال من جرذان الهامستر.

ولكن لماذا طرح نيكولاس تينبرغن مثل هذه الأسئلة من الأساس؟ نيكولاس تينبرغن هو من أهم علماء السلوك الحيواني الذين برزوا خلال القرن العشرين إلى جانب العالمين النمساويين كارل فون فريش وكونراد لورنتس.

فهو الذي وضع أساسيات علم سلوك الحيوان وطبقها على دراسة سلوكيات معينة، ولهذا السبب حاز هو وكارل فون فريش وكونراد لورنتس على جائزة نوبل في عام 1973.

وربما الصورة الشهيرة لعدد من فراخ الإوز الرمادي الذي يصطف بانتظام ويتبع رجلاً هذا الرجل هو كونراد لورنتس التي أدت تجاربه التي أجراها في ثلاثينيات القرن الماضي إلى اكتشافه لمبدأ التطبع الذي يؤثر على تشكيل الروابط الاجتماعية لدى صغار الحيوانات والسلوكيات التي يمكن تعلمها وتلك التي يكتسبها الحيوان فطرياً.

فعندما راقب كونراد لورنتس سلوك فراخ البط والإوز التي فقست حديثاً لاحظ أن الطيور المائية بالتحديد لم تتمكن من تمييز أمي بشكل فطري، فالتطبع لدى فراخ الإوز الرمادي مثلاً يجعلها تُشكل روابط مع أي كائن قربها يتحرك بعيداً عنها لتتبعه.

لذلك حين قضى كونراد مع فراخ الإوز ساعتها الأولى بعض أن فقصت بيوضها ظلت تتبعه ولم تُظهر أي تمييز لأمها، أو لأي من الإوز البالغ من فصيلتها.

واقرأ هنا عن الانتواع: بحث كامل ومفصل

العالم كونراد لورنتس

اهتم العالم كونراد لورنتس من عام 1938 إلى 1943 بدراسة تفسير سبب ظهور بعض الصفات التنكسية في الإوز الهجين حيث حذر لورنتس أن أي اختلاط بين الإوز من السلالات غير النقية مع الإوز للسلالات النقية سيؤثر على نقاء نسل الإوز الناتج، وبنى البعض على هذه النظرية رغم عدم دقتها.

اهتم لورنتس بدراسة السلوك الفطري لدى الحيوانات خصوصاً لدى الإوز الرمادي فقد وجد لورنتس أنه من الممكن أن يتطبع الإوز حتى على الجمادات.

فقد تمكن في إحدى تجاربه من جعل فراخ الإوز تتبع صندوقاً موضوعاً فوق لعبه القطار تدور في دوائر.

كيف يؤثر الانتخاب الطبيعي على السلوك الحيواني في العالم الخارجي؟

هناك نوعان أساسيان من السلوك الضروري للحياة وهما؛ التغذية والتزاوج. فالسلوك المرتبط بإيجاد الغذاء وتناوله يسمى “جمع الغذاء” ويُبرز الانتخاب الطبيعي السلوكيات التي تمكن الحيوان من استغلال مصادر الغذاء لاستهلاك أقل كمية ممكنة من الطاقة، وهذا ما يُسمى بـ “النموذج الأمثل لجمع الغذاء”.

من أفضل الأمثلة على ذلك؛ سلحفاة القاطور النهاشة، فبدلاً من مطاردة الفريسة والإمساك بها تبقى جالسة في الماء وتأتي الفريسة إليها.

فهي تتميز بلسانها الطويل الوردي اللون والمتفرع إلى قسمين. تستخدم هذه السلحفاة لسانها كطعم للسمك لأن شكله يبدو كالدودة.

إذاً يكون المؤثر هنا هو عبور السمكة، واستجابة لهذا المؤثر تظهر السلحفاة لسانها وتهزه ليبدو كالدودة.

وأثر الانتخاب الطبيعي عبر أجيال عديدة من هذا النوع من السلاحف على بقاء السلالات ذات اللسان الأزهى لوناً، أو الأكثر اهتزازاً لإمساك سمكٍ أكثر.

كما أثر على بقاء السلالات ذات المعرفة الأكبر بوقت وطريقة هز اللسان للحصول على غذاء أكثر.

بمعنى أن الانتخاب الطبيعي يُظهر الصفة الجسدية والسلوك الذي يستغل هذه الصفة بأفضل طريقة.

التزاوج

هو من السلوكيات الأخرى الضرورية لبقاء الحيوانات؛ فكما رأينا في حالة جرذ الهامستر السيبيري بعض السلوكيات والصفات الجسدية المرتبطة بها تتكيف ليتمكن الحيوان من التكاثر وليُصبح أفضل في إيجاد شريكه.

وفي كثير من الحالات تعيش الحيوانات من النوع ذاته بالقرب من بعضها أو ضمن مجموعات مما يؤثر على طريقة اختيار حيوان لشريكه.

وينتج عن ذلك؛ سلوكيات وصفات متنوعة، وهذا ما يسمى بـ “الانتقاء” أو “الانتخاب الجنسي”.

التزاوج عن طائر التعريشة

عادة ما يجد الذكر منطقة نفوذ خاصة به، ويدافع عنها من أجل تنشئة صغاره وتختار الأنثى الذكر بناء على منطقة نفوذه.

ولكن كيف يمكن تفسير ما يحدث في بعض أنواع الحيوانات التي لا تختار الأنثى منها شريكها الذكر بناءً على منطقة نفوذه بل بناءً على طريقة رقصه، أو مقدار القمامة التي يجمعها كما هو الحال بالنسبة لطائر التعريشة.

فهو يبني عشاً من الأغصان والأعشاب ثم يمضي وقتاً طويلاً في جمع أكوام من الثمر والقمامة والأغطية البلاستيكية الزرقاء.

إذ يعتقد علماء سلوك الحيوان أنه يجمع هذه الأشياء من أجل جذب الأنثى لتتفقد هذا المسكن الذي صممه، وحالماً تقترب الأنثى لإلقاء نظرة يبدأ الذكر بالغناء والرقص حولها، ويقلد حركات طيور أخرى ليجذب انتباهها.

قد تتفحص الأنثى عدداً من الأكواخ قبل اختيار شريكها للتزاوج؛ لذلك كلما كانت الرقصات معقدة أكثر وكان الكوخ ملفتاً أكثر للنظر كلما زادت فرص الذكر في إيجاد الأنثى والتزاوج معها.

كما يعتقد العلماء أيضا أن هناك مستوى علٍ من الذكاء، ومهارات حل المشاكل المرتبطة بهذه سلوكيات في الذكور؛ إذ يتطلب بناء كوخ كهذا وجمع كل هذه القمامة الزاهية قوة عضلية معينة لكنها أيضا تتطلب ذكاءً لتعلم الرقصات.

مما يعني أن دماغ طائر التعريشة تحاول استجابة للانتخاب الجنسي من قبل الأنثى.

يتمثل الذكاء أيضاً في سلوكيات أخرى مفيدة مثل تجنب المفترسين، لذلك فإن تطور السلوك مهم للحفاظ على متطلبات الحياة الغذائية والجنسية.

السلوك الإيثاري

من الأمور التي حيرت علماء السلوك هو سبب اهتمام الحيوان بحاجات حيوان آخر، على سبيل المثال؛ الخفافيش مصاصة الدماء في أمريكا الجنوبية مستعدة لتقديم وجبتها إلى أفراد القطيع التي لم تحصل على الغذاء في ذلك اليوم.

فما هو تفسير هذا السلوك الإيثاري؟

يُمكن تفسير ذلك من خلال نظريات العالم البريطاني وليام هاملتون الذي وجد طريقة توضح الأساس الوراثي لوجود وتطور الإيثار عند الحيوانات.

إذ وجد هاملتون أن تطور السلوك الايثاري أكثر وضوحاً عند الحيوانات التي تعيش ضمن جماعات كبيرة من نفس الفصيلة.

يتطور السلوك الايثاري إذا كانت فائدة السلوك أكبر من تكلفته على الفرد فيجب أن تكون هذه المساعدة لأفراد الجماعة تستحق العناء الذي سيبذله الفرد.

وهذا ما سماه داروين بالصلاحية؛ أي مساهمة الفرد في قدرة الفصيلة على النجاة والتكاثر.

وأضاف هاملتون على هذه النظرية فجعلها تشمل مساهمة الجماعة وليس فقط الفرد.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: